الأخبار

اسماعيل الشريف : مضيق هرمز.. نهاية عصر الهيمنة البحرية

اسماعيل الشريف : مضيق هرمز.. نهاية عصر الهيمنة البحرية
أخبارنا :  

الأمم التي تعتقد أنها أبدية غالبًا ما تكون أول من يفاجئها التاريخ - شارل ديغول.
في أيار من عام 1949 كانت الحرب الأهلية الصينية تقترب من الحسم لصالح الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ. في ذلك الوقت كانت بريطانيا العظمى، التي تُعدّ أقوى قوة في العالم، تحتفظ بسفنٍ حربية في نهر اليانغتسي لحماية رعاياها ومصالحها التجارية في مدن مثل شنغهاي ونانجينغ. ومن بين تلك السفن كانت الفرقاطة البريطانية "إتش إم إس أميثيست".
في العشرين من نيسان 1949 أبحرت الفرقاطة صعودًا في نهر اليانغتسي متجهةً نحو نانجينغ، لكن القوات الشيوعية التي كانت قد سيطرت على الضفة الشمالية للنهر اعتبرت وجود السفينة تدخّلًا أجنبيًا في الحرب. فجأة بدأت المدفعية الصينية تقصفها بعنف؛ فأصيبت إصابات مباشرة، وقُتل قائدها وعدد من بحّارتها، وتعطّل نظام القيادة فيها، قبل أن تجنح أخيرًا في الطين قرب الضفة.
حاولت سفن بريطانية أخرى التقدّم لإنقاذها، غير أنّ المدفعية الصينية فتحت النار عليها أيضًا، فاضطرت إلى التراجع. وهكذا بقيت السفينة محاصرة أربعة أشهر تحت مرمى القوات الشيوعية، في ظل مفاوضات متوترة بين بريطانيا العظمى والقيادة الشيوعية.
وفي ليلة الثلاثين من تموز 1949 قرّر القائد الجديد للسفينة، جون كيرانز، تنفيذ خطة جريئة. انتظر مرور سفينةٍ تجارية، ثم تحرّك خلفها في الظلام متخفيًا وراءها، مستفيدًا من سترها. وقد نجحت خطته؛ إذ تمكنت السفينة من الإفلات والوصول إلى المياه المفتوحة.
اعتُبرت هذه الحادثة رمزًا لنهاية عصر الهيمنة الإمبراطورية البريطانية وإيذانًا بأفولها. ويستشهد بها كثير من المؤرخين بوصفها لحظة أدركت فيها القوى العظمى أن العالم قد تغيّر، وأن موازين القوة لم تعد كما كانت.
وهذه القصة تتكرر اليوم، لكنها لا تتعلق بسفينةٍ واحدة، بل تمتد لتشمل المدمرات البحرية الأمريكية التي تمخر بحارنا.
قبل نصف قرن كانت كلفة إنتاج الصواريخ باهظة، ولم تكن التكنولوجيا اللازمة لتوفير أنظمة توجيه دقيقة متاحة آنذاك، ولذلك صُمّمت القوة البحرية الأمريكية وفق معطيات ذلك العالم. ثم جاء القرن الحادي والعشرون، حيث أصبحت التكنولوجيا الإلكترونية والحواسيب في متناول الجميع، وغدت أنظمة التوجيه الدقيقة متاحة كذلك، سواء في صاروخٍ متطور أو في طائرةٍ مسيّرة بسيطة.
لقد كشفت الحرب الأوكرانية أن عصر الدبابات قد انقضى؛ إذ غدت أهدافًا مكشوفة أمام طائراتٍ مسيّرة لا يتجاوز ثمن الواحدة منها بضعة آلاف من الدولارات. وبالمثل تكشف الحرب الإيرانية أن السفن الحربية أصبحت، في البحر، أشبه بالدبابات على اليابسة: أهدافًا كبيرة في مواجهة المسيّرات والصواريخ.
لننظر إلى تاج البحرية الأمريكية، حاملة الطائرات "أيزنهاور"، التي تبدو كأنها مدينة عائمة تبلغ مساحتها نحو 18,900 متر مربع. وترافقها مدمرات أخرى فائقة التكنولوجيا تمتلك قوة تدميرية هائلة. ومع ذلك، فإن كل مدمرة لا تحمل من الصواريخ الاعتراضية والطائرات المسيّرة عددًا يوازي ما يمتلكه الخصم من مسيّرات وصواريخ قادرة على استهدافها.
ولهذا ما تزال إيران تتحدّى هذا الحضور وتغلق مضيق هرمز. وهو مشهد يذكّر بما فعله الحوثيون حين تحدّت جماعة تنتمي إلى إحدى أفقر دول العالم أقوى القوى الدولية، وتمكّنت العام الماضي من تعطيل الملاحة في باب المندب.

تسيطر إيران على الساحل الشمالي لمضيق هرمز، وتمتلك ترسانة متنوعة تشمل صواريخ برية وغواصات وطائراتٍ مسيّرة وقوارب هجومية سريعة، فضلًا عن الألغام البحرية. في المقابل، لا تمتلك البوارج الأمريكية سوى قدر محدود من أنظمة الدفاع مقارنة بحجم الترسانة التي تمتلكها إيران في هذه المنطقة.
وقد صاغ علماء الحروب معادلةً عسكرية بسيطة أطلقوا عليها اسم «معادلة الرشق». وتفترض هذه المعادلة أن بقاء السفينة لا يعتمد على قوتها التدميرية بقدر ما يعتمد على نسبة التهديدات المتجهة نحوها مقارنة بعدد الصواريخ الاعتراضية التي تمتلكها للتصدي لها.
فعندما تطلق إيران أو الحوثيون دفعةً من خمسين طائرةٍ مسيّرة نحو مدمّرة تمتلك مخزونًا محدودًا من الصواريخ الاعتراضية، غير القابل للتعويض أثناء المعركة، فإن الهدف ليس بالضرورة إغراق السفينة مباشرة، بل تطبيق هذه المعادلة واستنزاف دفاعاتها. وما إن تنفد الصواريخ الاعتراضية حتى تتحوّل تلك المدمرات إلى ما يقارب تسعة آلاف طن من الحديد في عرض البحر.
في أواخر عام 2023 وخلال عام 2024 استهدف الحوثيون السفن في البحر الأحمر، فوجدت البحرية الأمريكية نفسها في موقف حرج؛ إذ لم تستطع إعادة فتح باب المندب بالقوة. ونتيجة لذلك أُعيد توجيه حركة الشحن التجاري حول رأس الرجاء الصالح عبر التفاف يصل إلى نحو 19 ألف كيلومتر، ما أضاف أسابيع إلى زمن كل رحلة وتكاليف إضافية تُقدَّر بآلاف الدولارات. وهكذا وجدت أقوى قوة بحرية في التاريخ نفسها عاجزة عن فتح باب المندب.
على مدى ثمانين عامًا قام الاقتصاد العالمي على افتراض مفاده أن السفن الأمريكية قادرة على إبقاء طرق الشحن مفتوحة. غير أن الحروب الأخيرة تُظهر أن هذا الافتراض بدأ يتهاوى. فالقوة البحرية ما تزال قادرة على تدمير أكبر الأساطيل في أعالي المحيطات، لكنها على السواحل وفي الممرات المائية الضيقة تبدو أقل قدرة على الحسم.
إنها قصة تشبه قصة الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس أميثيست»؛ تلك اللحظة التي تكتشف فيها القوى العظمى أن قوتها لم تعد كما كانت، وأن زمن الهيمنة المطلقة قد بدأ يتراجع.

مواضيع قد تهمك