د. خالد الشقران : الأردن بوصلتنا
تتحرك المنطقة على وقع حرب مفتوحة تتداخل فيها الحسابات الدولية مع الصراعات الإقليمية، وتتساقط على امتداد الجغرافيا إشارات الخطر التي تنذر بمرحلة أكثر اضطرابا في الشرق الأوسط، صواريخ تعبر الأجواء، ومسيرات تبحث عن أهدافها في فضاء إقليمي مضطرب، وخطابات سياسية تتصاعد حدتها مع اتساع رقعة المواجهة، وسط هذا المشهد الملبد بالتوتر، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع الأردن في خضم هذه العاصفة، وكيف يمكن حماية الدولة والمجتمع من تداعيات حرب تتجاوز حدود أطرافها المباشرين.
الأردن دولة تقع في قلب الإقليم، جغرافيا وسياسيا، ولذلك فإن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط تحمل في طياتها انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على أمنه واستقراره، فالمنطقة تعيش حالة سيولة استراتيجية تتراجع فيها الضوابط التقليدية للصراع، وتتزايد فيها احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية والسياسية، ومع اتساع نطاق الضربات المتبادلة بين القوى المتصارعة، تتزايد المخاطر المرتبطة بامتداد العمليات العسكرية أو ارتداداتها المقصودة وغير المقصودة على دول الجوار، وهو ما يضع الأردن أمام مسؤولية وطنية كبرى تتمثل في حماية سيادته وأمنه الوطني.
من هنا تتقدم أولوية واضحة لا تقبل الالتباس، وهي أن "الأردن بوصلتنا"، فحين تتعاظم الأزمات من حولنا، يصبح الواجب الأول توجيه كل الطاقات نحو حماية الدولة وصون استقرارها وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحديات المتزايدة، هذا المبدأ لا يعبر عن انكفاء أو انعزال، بل عن وعي سياسي عميق يدرك أن الدولة القوية المتماسكة هي القادرة على الدفاع عن مصالحها والمساهمة في استقرار أمنها وصون سيادتها.
إن حماية الأردن في هذه المرحلة تقتضي قراءة دقيقة لمخاطر الحرب الجارية، فالمخاطر لا تقتصر على احتمال انتقال المواجهات العسكرية إلى جغرافيا جديدة، بل تشمل أيضا تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية قد تمتد آثارها إلى عمق المجتمعات، كاضطراب طرق التجارة، وارتفاع كلف الطاقة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، ومحاولات بعض الأطراف توسيع دائرة الصراع عبر فتح ساحات جديدة، كل هذه العوامل تجعل من الضروري أن تبقى مؤسسات الدولة في أعلى درجات الجاهزية، وأن يتعزز التنسيق بين مختلف مؤسساتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وفي موازاة ذلك، يبرز دور المجتمع في حماية الاستقرار الداخلي، فالحروب لا تدار بالسلاح وحده، بل أيضا بالوعي والصلابة الوطنية والقدرة على التمييز بين المواقف السياسية المشروعة وبين محاولات دفع المجتمعات إلى الانقسام أو الفوضى، حيث تظهر التجارب الإقليمية القريبة بوضوح أن الدول التي فقدت تماسك جبهتها الداخلية دفعت ثمنا باهظا من أمنها واستقرارها.
لقد أثبت الأردن عبر تاريخه قدرة لافتة على إدارة الأزمات في بيئة إقليمية معقدة، مستندا إلى حكمة قيادته وصلابة مؤسساته ووعي مجتمعه، حيث شكلت هذه العناصر مجتمعة درع حماية للدولة في مواجهة العواصف التي ضربت المنطقة خلال العقود الماضية، واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تزداد الحاجة إلى استحضار هذا الإرث من الحكمة السياسية والانضباط الوطني.
"الأردن بوصلتنا" تعني أن تبقى مصلحة الدولة وأمنها الوطني فوق كل اعتبار، وأن يتوحد الجميع حول هدف حماية الوطن من مخاطر حرب تحاول بعض أطرافها مد آثارها إلى مساحات أوسع من جغرافيتها المباشرة، كما تعني دعم مؤسسات الدولة في جهودها لحماية السيادة الوطنية والتعامل بحزم مع أي تهديد يمس أمن البلاد.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وعيا وطنيا عاليا يترجم إلى موقف
واضح، فحماية الأردن أولوية لا تقبل المساومة، خاصة وأن الدول التي تنجح في
عبور العواصف الكبرى هي تلك التي تدرك أن البوصلة الحقيقية في أوقات
الأزمات يجب أن تتجه نحو الوطن أولا، وأن الدفاع عن استقراره هو الأساس
الذي تبنى عليه كل السياسات والمواقف. واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبقى
الحقيقة الأوضح أن الأردن بوصلتنا، وأن حماية هذا الوطن مسؤولية جامعة
تستدعي يقظة الدولة وتماسك المجتمع وإرادة وطنية لا تنحرف عن اتجاهها مهما
اشتدت العواصف وتعاظمت المخاطر والتحديات. ــ الراي