يعقوب ناصر الدين : نقطة الارتكاز!
مهما بلغت التباينات في المواقف من هذه الحرب سواء كانت موضوعية أو غير موضوعية، منطقية أو غير منطقية فإن نقطة الارتكاز التي لا يمكن التغاضي عنها هي أمن الأردن واستقراره وسلامة شعبه، والحفاظ على قوته وثباته في التصدي للتهديدات والمخاطر أيا كان مصدرها من دون تبريرات ولا مجاملات ولا منطقة وسطى بين التناقضات التي تعيشها المنطقة، وما قد يسفر عنه الصراع الدامي من واقع جديد على أنقاض كل هذا الدمار.
قلنا ونعيد مرة أخرى كان الأردن أول من حذر من إشعال حرب جديدة تزيد من
آلام ومآسي شعوب المنطقة، وتدفع نحو تعميق العداء في أبعاده الدينية
والعقائدية والسياسية والاقتصادية وفي كل الأبعاد الظاهرة والخفية، وكان
جلالة الملك عبدالله الثاني واضحا في تحديد العوامل التي تدفع تجاه حرب
ستمتد مخاطرها لتشمل العالم كله، وتلك المخاطر يلمسها الجميع الآن في
أسواق النفط والمال وغيرها، حيث تشتعل الحرب في جغرافيا منابع النفط والغاز
والممرات المائية وخطوط الإمداد.
الأردن الذي حذر من وقوع ما وقع، وهو ليس طرفا فيه، ولا يريد أن يكون كذلك
تحت أي ظرف، فإذا كانت طبيعة العلاقات التي تربطه بالولايات المتحدة
الأميركية منذ ما يزيد على ثمانية عقود قائمة على التعاون الثنائي فذلك لا
يجعله بالضرورة جزءا من أسباب أو أهداف الحرب على ايران ولا على غيرها،
وأما حساباته فيما يخص الأمن القومي العربي فهي تقوم كذلك بناء على ايمانه
بوحدة الموقف العربي المشترك وقدرته على مواجهة أي تهديد لمصالح البلاد
العربية وأمنها واستقرارها وازدهار شعوبها، وتلك المعادلة في إطارها القومي
أو الإقليمي استقرت في الوجدان الأردني على أنها واحدة من أهم ركائز قوة
العرب في ردع نوازع الاستقواء التي تتعرض لها من القوى الإقليمية المجاورة،
ومعالجة الخلل في توازن المصالح مع غيرها من القوى العالمية المتنافسة أو
المتصارعة على مناطق النفوذ ومصالحها الاقتصادية!
نجد أنفسنا اليوم وسط هذا الصراع المدمر ولا نملك رفاهية التفرج من بعيد،
ولا محاكمة التطورات من زاوية المراهنات والعواطف والأهواء، نحن بلد يتعرض
لتهديد عسكري مباشر لا نعرف بعد حجم تأثيره الحقيقي على واقعنا الاقتصادي
إذا ما تصاعدت أسعار الطاقة والتأمينات على النقل البحري، وغيرها من
الارتدادات السلبية لهذه الحرب التي تعصف بالمنطقة التي نحن جزء أصيل
فيها.
نحتاج إلى تحديد نقطة مركزية نلتقي عندها جميعا، عنوانها وحدة الموقف
والهدف على مبدأ الأردن أولا، الأردن القوي الذي يستطيع حماية نفسه لينطلق
من موقع القوة نحو التحرك الفاعل لتخفيض التصعيد من ناحية، والرجوع إلى
القانون الدولي والشرعية الدولية في معالجة المشاكل والأزمات من ناحية
ثانية.
بكلمات مقتضبة يفهم منها الكثير أكد جلالة الملك خلال ترؤسه اجتماعا للمركز
الوطني للأمن وإدارة الأزمات قبل أيام أن أولوياتنا تكمن في ضمان سلامة
الأردنيين والدفاع عن الوطن واستعداد الجميع لأي طارئ، وضرورة إعداد خطط
استجابة سريعة، إلى جانب ضرورة تأمين مخزون آمن وسلاسل إمداد مستدامة، وفي
ذلك ما يكفي من الإشارة إلى أن التفكير كله يجب أن ينصب على مصالح بلدنا
العليا أولا وأخيرا، وبناء مواقف النخب والأحزاب على هذا الأساس المتين!
ــ الغد