الأخبار

ديما الفاعوري : كيف يواجه الأردن الشائعات والتضليل الرقمي ؟

ديما الفاعوري : كيف يواجه الأردن الشائعات والتضليل الرقمي ؟
أخبارنا :  

تعد المعلومة عنصرًا مهما في تشكيل الوعي العام في ظل انتشار الأخبار وتدفقها عبر الفضاء الرقمي، الأمر الذي وضع الدول أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على التمييز بين الخبر الصحيح والمحتوى الملل.

والأردن كغيره من الدول يواجه هذا التحدي بخصوصية ترتبط بموقعه السياسي ودوره الإقليمي، وهو ما جعله هدفًا لمحاولات متكررة تهدف إلى إرباك الرأي العام وبث روايات مشوشة حول مواقفه وسياساته، حيث أظهر لمشهد الإعلامي المعاصر أن السيطرة على الفضاء المعلوماتي لم تعد مرتبطة بامتلاك الخبر فقط، انما بامتلاك المعلومة الدقيقة وتقديمها للجمهور بوضوح وسرعة، لأن غياب المعلومة الموثوقة يفتح المجال أمام الشائعات كي تنتشر، ويمنح الروايات غير الدقيقة فرصة لاحتلال مساحة واسعة من النقاش العام.

ولهذا أصبحت القنوات الرسمية مصدرًا أساسيًا لضبط الإيقاع المعلوماتي، من خلال تقديم بيانات دقيقة وتوضيحات سريعة تعزز ثقة المجتمع بالمصادر المؤسسية.

وكشفت تجربة الأردن خلال السنوات الأخيرة أهمية هذا الدور، خاصة عند اشتداد الأزمات الإقليمية، فكل تصعيد سياسي أو عسكري في المنطقة ترافقه موجات من المحتوى المضلل الذي يستهدف المجتمع الأردني، ويعمل على تشويه صورة الدولة والتشكيك بمواقفها. هذه الحملات تعتمد على أدوات تقنية متقدمة، وتُدار أحيانًا عبر شبكات من الحسابات الوهمية التي تنشر رسائل متزامنة بهدف خلق انطباع عام بوجود حالة اضطراب أو انقسام داخلي.

المؤشرات الرقمية تكشف جانبًا من حجم هذه الظاهرة، حيث رصد مرصد مصداقية الإعلام الأردني "اكيد" عشرات الشائعات خلال فترة زمنية قصيرة تزامنت مع أحداث إقليمية حساسة، وبيّن أن نسبة كبيرة من هذه الشائعات ذات طابع سياسي يركز على الموقف الأردني من القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وهذا النمط من التضليل يكشف عن محاولة واضحة للتأثير على اتجاهات الرأي العام وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية.
المسألة لا تتوقف عند حدود الشائعات الإعلامية، لأن الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للدولة تقدم مثالًا آخر على طبيعة التحديات التي تواجهها الدول في العصر الرقمي، حيث أن محاولات الاختراق التي طالت منشآت استراتيجية في الأردن تؤكد أن الصراع المعلوماتي يتقاطع مع الأمن السيبراني، وأن حماية الدولة باتت تمتد إلى فضاءات رقمية معقدة تتطلب يقظة مستمرة وقدرات تقنية متقدمة.
هذه المعطيات تضع الإعلام أمام مسؤولية كبيرة، لأن المهنية الإعلامية لا تقف عند نقل الأخبار، وانما يشمل أيضًا المشاركة في حماية الوعي العام من التضليل، لذا فإن الصحفي والمؤسسة الإعلامية مطالبان بتقديم معلومات دقيقة، وتوضيح الحقائق للجمهور، ومواجهة المحتوى الزائف الذي ينتشر عبر المنصات الرقمية. الإعلام بهذا المعنى يشكل أحد أعمدة الأمن الوطني المعرفي، لأنه يسهم في بناء رواية موثوقة تستند إلى الحقائق والبيانات.
إلى جانب دور الإعلام، يبرز أهمية المجتمع الواعي يمتلك القدرة على تفكيك الرسائل المضللة وتحليل مصادرها، وهو ما يحرم حملات التضليل من تحقيق أهدافها حيث تشير الدراسات الإعلامية الى أن المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من الدراية الإعلامية تكون أقل عرضة للتأثر بالشائعات وأكثر قدرة على التعامل النقدي مع المحتوى الرقمي.
الدراية الإعلامية وهنا، تعني قدرة الفرد على قراءة الخبر وتحليل سياقه وفهم الدوافع التي قد تقف وراء نشره. وهي مهارة تتطلب تدريبًا وتعليمًا مستمرين، خاصة مع تطور أدوات إنتاج المحتوى الرقمي مثل تقنيات التزييف العميق واستنساخ الأصوات، والتي تبدو واقعية بدرجة كبيرة، الأمر الذي يفرض على المجتمع امتلاك أدوات معرفية تساعده على اكتشاف التلاعب الرقمي.
ويمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية ان تلعب دورًا محوريًا في هذا المجال عبر إدماج مفاهيم الدراية المعلوماتية في المناهج الدراسية، وتزويد الطلبة بمهارات عملية للتحقق من الأخبار كما أن البرامج التدريبية التي تستهدف فئات مختلفة من المجتمعتسهم في بناء شبكة مجتمعية واسعة قادرة على دعم جهود مكافحة المعلومات المضللة.
من جهة أخرى، يشكل تطوير منصات الاتصال الحكومية خطوة أساسية لتعزيز الثقة بالمعلومة الرسمية. المنصات الرقمية التي تقدم معلومات دقيقة وتوضيحات سريعة تتيح للمواطن الوصول إلى الحقيقة دون تأخير، وتحد من انتشار الشائعات التي تستغل الفراغ المعلوماتي. المبادرات الوطنية التي تقوم على التحقق من الأخبار تمثل نموذجًا مهمًا في هذا السياق، إذ توفر للجمهور أدوات واضحة لمعرفة صحة المعلومات المتداولة.
التجربة الأردنية تؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بصلابة الوعي العام لدى المجتمع. المجتمع الذي يمتلك قدرة عالية على التمييز بين الحقيقة والزيف يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل، ويحول دون نجاح محاولات التشكيك أو بث الفوضى.
الأردن أثبت عبر عقود طويلة قدرته على تجاوز الأزمات الإقليمية بفضل تماسك جبهته الداخلية ووعي مجتمعه، وهذه المناعة الوطنية ظهرت بوضوح في مواجهة موجات التضليل التي حاولت استغلال التوترات الإقليمية لإرباك الرأي العام ويرجع ذلك إلى ان المواطن الأردني تعامل مع هذه الحملات بقدر كبير من الوعي، وهو ما أفقد الشائعات جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير.?
أن معركة الوعي ستبقى إحدى أهم معارك العصر الرقمي. الدولة التي تحمي فضاءها المعلوماتي وتحافظ على ثقة مجتمعها بالمصادر الموثوقة تمتلك قدرة أكبر على حماية استقرارها السياسي والاجتماعي، والأردن، بما يمتلكه من مؤسسات إعلامية راسخة ومجتمع واعٍ، قادر على مواجهة هذا التحدي بثقة وصلابة.
الحقيقة تظل الركيزة الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتقدم حين تتكاتف المؤسسات الرسمية والإعلام المهني والوعي المجتمعي، يصبح التضليل مجرد ضجيج عابر لا يستطيع التأثير على دولة تمتلك إرثًا طويلًا من الحكمة والاعتدال والتماسك الوطني.. حمى الله الاردن وقائد البلاد من كل مكروه.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك