د. خالد العاص : الولايات المتحدة وإيران: بين لعبة التوازنات واحتمالات المواجهة
يثير
الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تساؤلات متكررة في
السياسة الشرق أوسطية، خاصة عندما تتقاطع مصالح الطرفين في بعض الملفات رغم
الخطاب العدائي المتبادل. فالعلاقات الدولية لا تُبنى دائماً على الصراع
المباشر أو التحالف الواضح، بل قد تتشكل أحياناً في إطار توازنات معقدة
تفرضها الظروف السياسية والاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين
أن الخصومة المعلنة بين الدول لا تمنع بالضرورة وجود مساحات محدودة من
التفاهم أو تقاطع المصالح في قضايا معينة.
في
هذا السياق، طرح عالم الجيوسياسة الأمريكي جورج فريدمان في مطلع القرن
الحادي والعشرين تصوراً مفاده أن الشرق الأوسط قد يشهد معادلة إقليمية
معقدة تقوم على توازنات بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. وقد أثار
هذا الطرح جدلاً واسعاً، نظراً للتناقض الظاهر بين الخطاب السياسي الإيراني
المعادي لواشنطن وتل أبيب، وبين بعض الوقائع الجيوسياسية التي تشير إلى
إمكانية التقاء المصالح في ظروف معينة.
وبرزت
ملامح هذا التعقيد بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عندما أسقطت
الولايات المتحدة نظام صدام حسين، ما أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى
داخل العراق وفتح المجال أمام صعود قوى سياسية قريبة من إيران. وفي الوقت
نفسه، كانت واشنطن تسعى إلى بناء نظام سياسي جديد في البلاد، ما خلق واقعاً
معقداً يظهر فيه الطرفان يتعاملان مع نتائج مشتركة رغم استمرار التوتر
بينهما.
امتد هذا التداخل إلى
سوريا، حيث أدى تعقيد الصراع وتعدد الأطراف إلى مشهد سياسي وعسكري شديد
التشابك شاركت فيه قوى دولية وإقليمية. استغلت إيران هذا الوضع لتعزيز
حضورها عبر دعم النظام السوري وشبكة من الحلفاء، في حين حاولت القوى الكبرى
إدارة توازنات دقيقة تحكمها اعتبارات الأمن الإقليمي ومصالحها
الاستراتيجية.
يشكل البرنامج
النووي الإيراني محور توتر آخر. فإيران تقول إن البرنامج لأغراض سلمية،
بينما ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أنه قد يمنح طهران قدرة نووية
مستقبلية. بلغ الملف ذروته مع الاتفاق النووي عام 2015، قبل انسحاب واشنطن
عام 2018، ما أعاد تصعيد الضغوط والعقوبات.
وفي
السياق الراهن، شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً مباشراً بين الولايات
المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ فبراير 2026، حيث تبادلت
الأطراف ضربات على مواقع استراتيجية وقواعد عسكرية. وانعكس هذا التصعيد على
الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، خاصة في الخليج ومضيق هرمز، مشيراً إلى
تحول العلاقة من صراعات غير مباشرة إلى مواجهة أكثر وضوحاً.
في
ضوء هذه التطورات، يبدو أن العلاقة بين واشنطن وطهران ستظل محكومة
بتوازنات معقدة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الصراع لا يمنع تقاطعات مؤقتة
في المصالح، إلا أن تصاعد التوترات، سواء بسبب الملف النووي أو النفوذ
الإقليمي، جعل هذه العلاقة أكثر هشاشة. البيئة الإقليمية المتغيرة تجعل من
الصعب الفصل بين الخصومة والمصالح، ما يجعل مستقبل العلاقة رهناً بقدرة
الطرفين على إدارة التوترات والتحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية.