الأخبار

مصطفى الريالات يكتب : حرب بلا بارود.. حين يصبح الوعي خط الدفاع الأول عن الأردن

مصطفى الريالات يكتب : حرب بلا بارود.. حين يصبح الوعي خط الدفاع الأول عن الأردن
أخبارنا :  

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل امتدت إلى ساحات جديدة تُدار فيها المعارك عبر الشاشات والهواتف الذكية. فمع كل أزمة إقليمية، تتكثف حملات التضليل الرقمي التي تستهدف الأردن، في محاولة لزعزعة الثقة بالمؤسسات وبث البلبلة داخل المجتمع. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول في مواجهة ما يمكن وصفه بـ"الحرب الإلكترونية الممنهجة".

ويواجه الأردن حربًا إلكترونية ممنهجة تتصاعد وتيرتها بالتزامن مع الأزمات الإقليمية. فمع كل تصعيد في المنطقة، تنشط جيوش من الحسابات الوهمية التي تُدار من خارج المملكة، بهدف ضرب الاستقرار الوطني وتشويه صورة الأردن في الفضاء الرقمي.

المؤشرات الرقمية تكشف عن حجم غير مسبوق لهذه الظاهرة، خاصة خلال فترات التوتر الإقليمي. فقد رصد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) خلال الأيام الاثني عشر الأولى من الحرب الإقليمية الأخيرة نحو 45 إشاعة طالت الحياة العامة والمجتمع الأردني، توزعت بين شائعات جرى نفيها وأخرى لا تزال قيد التداول.

وتتصدر الشائعات ذات الطابع السياسي قائمة المحتوى المضلل، إذ تشير تقارير المرصد إلى أن 37% من الإشاعات المتداولة تحمل أبعادًا سياسية، وتهدف إلى التأثير على الموقف الأردني من القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

هذه الموجات من التضليل لا يمكن اعتبارها مجرد صدفة أو نشاط فردي عابر، بل تبدو جزءًا من حملات منسقة تظهر ضمن موجات متزامنة، وتستخدم تقنيات متطورة تشمل التزييف العميق (Deepfake) واستنساخ الأصوات، بهدف نشر الخوف وبث الفوضى وإرباك الرأي العام.

ولم تقتصر الهجمات على التضليل الإعلامي فحسب، بل امتدت إلى محاولات استهداف البنية التحتية الحيوية للدولة. ففي الفترة نفسها التي كانت فيها الأنظار مشغولة بالصواريخ والطائرات المسيّرة في الإقليم، كشف المركز الوطني للأمن السيبراني عن محاولة اختراق إيرانية خطرة استهدفت الشركة العامة للصوامع في إربد، في محاولة للتلاعب ببيئة تخزين القمح والإضرار بالمخزون الاستراتيجي للدولة.

ولا يمكن قراءة هذه الحملات بمعزل عن الموقف السياسي الأردني الثابت تجاه القضايا الإقليمية، حيث تبدو هذه الهجمات جزءًا من محاولات ممنهجة تستهدف التشكيك بالدور الأردني، وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية، وبث روايات مشوشة تسعى إلى تفتيت الجبهة الداخلية وإرباك المجتمع.

غير أن معركة الوعي هذه كشفت في المقابل عن مستوى عالٍ من النضج لدى المجتمع الأردني. فالمواطن الأردني أثبت مرارًا قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، وعلى التعامل بوعي مع سيل المعلومات المتدفقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

فالحرب اليوم لم تعد تدور على الأرض وحدها، بل باتت تُخاض أيضًا في فضاء المعلومات والعقول. ومن ينجح في حماية الوعي العام يمتلك القدرة على حماية استقرار الدولة.

بقي القول، إن من يحاول النيل من الأردن اليوم قد يغفل حقيقة أساسية مفادها أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الأمنية، بل أيضًا بصلابة وعي مجتمعها. فالدولة التي حمت القدس والمقدسات، واحتضنت الأشقاء في أصعب الظروف، تمتلك مناعة وطنية عميقة تجعل حملات التضليل مجرد ضوضاء عابرة. وفي النهاية، ستبقى الحقيقة أقوى من الأكاذيب، وستظل الوحدة الوطنية الأردنية السد المنيع في وجه كل محاولات الاختراق، مهما تطورت أدواتها وتقنياتها. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك