اسماعيل الشريف : ورطة ترامب
«نحن في موقفٍ متقدّم، وسنقرّر متى ستنتهي الحرب». كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني.
أقدم
الرئيس ترامب، بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، على إشعال فتيل حرب إقليمية
مع إيران، في سابقة لم تشهدها المنطقة من قبل. وقد تباينت القراءات
التحليلية حول الدوافع الحقيقية وراء هذا القرار المصيري؛ إذ يرى تيار أن
الهدف الاستراتيجي يكمن في السيطرة على الثروات النفطية الإيرانية وتطويق
النفوذ الصيني المتنامي، في حين يربط تيار آخر هذا التوجه بملف إبستين،
مستندًا إلى ادعاءات بوجود ضغوط صهيونية تهدد بالكشف عن معطيات حساسة. أما
التيار الثالث، فيُرجع الأمر إلى التزامات سياسية قُطعت لميريام أديلسون
التي أسهمت بتمويل سخي في دعم حملته الانتخابية. وثمة من يذهب إلى أبعد من
ذلك بادعاء أن الرجل، المعروف بنهجه التفاوضي الصفقاتي، تقاضى مقابلًا
ماليًّا ضخمًا مقابل الانخراط في هذه الحرب. وفي سياق متصل، أشارت تقارير
حديثة إلى أن ترامب نفسه حمّل صهره جاريد كوشنر وعددًا من المستشارين
المقربين مسؤولية التحريض على هذه المغامرة العسكرية.
ومهما
تكن الدوافع الحقيقية لإشعال هذه الحرب، فإن ثمة مسارًا واحدًا يبدو شبه
محسوم لإنهائها: أن يعقد ترامب مؤتمرًا صحفيًّا يُعلن فيه عن انتصار أُحادي
الجانب ومُطلَق. أما التوقيت الدقيق لهذا الإعلان، فيظل رهينة المجهول.
بَيد أن قرار وقف إطلاق النار لا يقع في يد ترامب وحده؛ فهو مشروط بالضرورة بموافقة طرفين أساسيين آخرين، هما طهران والكيان الصهيوني.
والواقع
أن الكيان الصهيوني لا يُبدي أي رغبة في وقف هذه الحرب، كونه المستفيد
الأول والأخير من استمرارها. فهو يسعى بشكل ممنهج إلى تفكيك بنية الجمهورية
الإسلامية، ولا يرى حرجًا في أن يُفضي انهيار النظام إلى موجة من الفوضى
الشاملة تجتاح إيران والمنطقة برُمّتِها.
وإن
عجز ترامب عن كبح جِماح نتن ياهو، فلن يتوانى الأخير عن مواصلة عملياته
العسكرية حتى بعد أي إعلان أمريكي رسمي لوقف الحرب. ولعل هذا ما دفع ترامب
إلى التصريح بأن أي تسوية لإنهاء النزاع لن تتم إلا بالتراضي مع نت نياهو
والحصول على مباركته الصريحة.
غير
أن الكيان الصهيوني قد يُظهر قبوله الشكلي بوقف الحرب، بينما يعمل جهاز
الموساد في الظل على تأجيج نيران الانفصال والتمرد بين الأقليات العرقية
داخل إيران، كالأكراد والبلوش، بما قد يُهدد تماسك الدولة الإيرانية من
الداخل. وفي المقابل، لن تجد طهران بدًا من الرد بمواصلة استهداف الكيان،
الذي سيسارع بدوره إلى الانتقام، مما قد يستدرج ترامب من جديد إلى دوامة
المواجهة العسكرية.
ويزيد من
تعقيد موقف ترامب أنه قد ينتهي به المطاف إلى إعلان وقف الحرب منفردًا، دون
أن يطرأ أي تغيير جوهري على بنية النظام الإيراني، ودون انتزاع أي تنازلات
حقيقية من طهران تتعلق بوقف تخصيب اليورانيوم أو تفكيك منظومتها الصاروخية
أو قطع علاقاتها مع حلفائها الإقليميين، وهي المبررات التي اتخذت ذريعةً
لشن هذه الحرب.
والأخطر من ذلك
كله أن صمود الجمهورية الإسلامية وخروجها من هذه الأزمة بنظامها قائمًا
سيجعلها نموذجًا استثنائيًّا فريدًا: أول دولة تتحدى الهيمنة الأمريكية
وتخرج سليمة. وهذا من شأنه أن يُشجع دولًا أخرى تعاني من وطأة سياسات ترامب
أو مطامعه -كفنزويلا وغرينلاند- على انتهاج المقاومة سبيلًا، حتى وإن
افتقرت إلى الإمكانات العسكرية الإيرانية.
ويبدو
لي أن الرئيس ترامب قد يسير على خطى سلفه جورج بوش الابن حين أعلن نصره
الشهير عام 2003 من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»،
التي كانت آنذاك - كما هي اليوم - في عين العاصفة العسكرية الأمريكية. وما
يجدر استحضاره هنا أن خطاب بوش ذاك كان إعلانًا رمزيًّا مُتسرِّعًا
بامتياز، لم تلبث أن كذّبته الوقائع، إذ تواصلت الحرب على الأرض العراقية
قرابة عقد كامل في أعقابه.
لقد
أنهكت الحرب إيران وأثقلت كاهلها بأعباء جَسيمة، مما يجعلها تتطلع بجدية
إلى وقف العمليات العسكرية، غير أنها تجد نفسها في آنٍ واحد في مواجهة
مباشرة مع الإرادة الأمريكية. وقد أوضح المسؤولون الإيرانيون أن أي موافقة
على وقف إطلاق النار واستئناف مسار التفاوض مشروطة بالحصول على ضمانات
راسخة من واشنطن وتل أبيب بعدم تكرار الاعتداء. وإن نجحت طهران في الصمود
وتجاوز هذه المرحلة، فمن المرجح أن تُضيف إلى سلة مطالبها شرط رفع جزء من
العقوبات المفروضة عليها.
وعليه،
يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم في جوهرها على سياسة الاستنزاف
الممنهج؛ استنزاف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في آنٍ واحد، وذلك عبر
تصعيد أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، وإغلاق مضيق هرمز شريان الطاقة
العالمي، بما يُلقي بأعباء اقتصادية ثقيلة قد تدفع واشنطن في نهاية المطاف
إلى إعادة حساباتها والإقرار بوقف الحرب.
وخلاصة
المشهد أن ترامب لن يكون في وضع يُمكّنه من إطلاق خطاب النصر خلال الأسبوع
أو الأسبوعين القادمين، وأن أي إعلان من هذا القبيل دون تعاون حقيقي من
الكيان الصهيوني وإيران لن يعدو كونه بلاغةً فارغة تفتقر إلى أي مضمون فعلي
على أرض الواقع.
ولا ريب أن
الرئيس ترامب قد أوقع نفسه وبلاده والمنطقة بأسرِها في مأزق استراتيجي بالغ
التعقيد، قد لا يكون المخرج منه بالسهولة التي يتصورها أصحاب قرار الحرب.