الأخبار

م. هاشم نايل المجالي : اليسر الذي يعقبه العسر

م. هاشم نايل المجالي : اليسر الذي يعقبه العسر
أخبارنا :  

عندما تشتدُّ المحن والأزمات على واقع الأمم والشعوب، تسود نظرات لدى الشعوب تكاد تكون متناقضة أو ناقصة مبتورة، بين يأس بانسداد الأفق، أو إفراط في التفاؤل مشوب بتواكل، والاكتفاء بالتحليل والتفسير وتحديد مكمن الخلل والضعف، والاعتماد على الغير في أن يلتمس لديهم الحلول لهذه المحن، وفي هذا الوقت يطالعنا الإسلام بمنهجٍ مميزٍ في التعامل مع هذه المحن، ويربط في التعامل معها بين المرء وآخرته، ويتحرى الموضوعية في التعامل مع تلك المحن والأزمات.

هذا المنهج تم تعريفه بالاستقراء، والذي يسري عبر التراث الإسلامي، حيث أقلام المفكرين والعلماء والأدباء الذين انصهروا في بوتقة هذا المنهج وتأثروا به، حيث يُرى ذلك جليًا وواضحًا في إنتاجهم الفكري والثقافي.

إن أول ملامح هذا المنهج هو تحليل وتفسير أسباب المحن والوقوف عليها، لأن معرفة المرض هي أول خطوات العلاج، ولا يتصور أن تخرج أمة أو شعب من أزمة إلا بعد تشخيص وتحليل ومعرفة هذه المحنة من كافة جوانبها لتحديد كيفية الخروج منها أولًا، كذلك كيفية الوقاية منها مستقبلًا.

والمحنة سنة من السنن الكونية التي لا تحابي أحدًا، وما من شعب أو أمة إلا داهمتهم المحن، لأن أي أمة بحاجة باستمرار إلى تمحيص، والذي لا يظهر أي شيء في حالة الرخاء، فنجد أن الجميع في حالة الرخاء حيث يكون الجميع صالحين أسوياء، لا يُعرف الصادق فيهم من الكاذب إلا وقت المحن والأزمات، قال تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).

إن الصفوف دومًا فيها المصلح وفيها المفسد، والمحن تكشف ذلك، وعند تمحيص المحن يخرج الضعيف الذي يكون منطويًا على نفسه، ولقد رأينا كيف كشفت ثورات الربيع العربي أسوأ ما في تلك الشعوب، وأظهرت حجم الفساد الذي كانت الدول تنطوي عليه، وكأن الشعوب تلك كانت غريبة في ديارها.

ومن ملامح هذا المنهج في مواجهة المحن ما يتجلى في قول الله تعالى عندما هزت حادثة الإفك المجتمع الإسلامي، قال تعالى: (لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم)، فالمحنة التي تقرب المجتمع تقويه وتربيه إذا ما استفادت الشعوب وأحسنت من تلك الاستفادة لهذه الأزمات لتصلح نفسها وتعيد بناء مجتمعها واقتصادها بشكل سليم، لا بشكل عشوائي وفوضوي وصراع على المناصب والكراسي من جديد، ليعود السبب إلى ما كان عليه سابقًا.

ويركز القرآن الكريم والسنة على أن المحن مهما كبرت وعظمت لا بد وأن يكون منها كثير من المحاسن والخير، وذلك بتقدير إلهي، ذلك القدر الذي هو البعد الغيبي في المحن، ويجب الإيمان به والصبر عليه، وهذا التقدير الإلهي مرتبط بالأسباب.

إن الأمم تتبدل أحوالها كل فترة زمنية قصيرة أو بعيدة المدى كما جاء في القرآن: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، والتاريخ يترجم هذه الحقيقة التي أكد عليها القرآن، فأين الحضارات التي سادت العالم، نجد أن الأحوال تبدلت وحضارات اندثرت وقامت أخرى.

والمحن ذاتها لا تستمر أبد الدهر، ولقد ركز القرآن في هذا الشأن على حقيقة اليسر الذي يعقب العسر: (فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا)، دومًا نحن بحاجة إلى تحليل وتشخيص وتقييم والوقوف على أسباب الأزمات لمراجعة الخلل وبيان الاستقامة والتعاطي مع الأسباب ومباشرة الحلول السليمة لا المؤلمة التي من الممكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية وسلبية وتخلق أزمة حقيقية.

مواضيع قد تهمك