د. سند ابو راس : تحالفات البلطجي الأخيرة
يُحكى أنه كان هناك بلطجيٌّ في حيٍّ ما، يُروِّع أهله ويستولي على ممتلكاتهم بغير حق. لم يكن وجود البلطجي في الحي صدفةً، أو نتاجًا لتغيراتٍ طبيعية فيه، ولا حتى بسبب أخطاء أهله، وإنما كان لأبعادٍ اجتماعية وسياسية تخيَّلها رجالُ شرطةِ المدينة الفاسدون لذلك الحي. فقد علموا أنهم يحتاجون إلى بلطجيٍّ في الحي ليحافظ على مصالحهم، وليقوم بأعمالهم القذرة التي لا يستطيعون فعلها بشكلٍ مباشر حفاظًا على صورتهم.
دام هذا التحالف سنواتٍ طويلة، حتى يئس أهل المنطقة من التغيير، ولكن المجتمعات مثلها كمثل دالة الجيب (sin) في صعودٍ ونزول، ولا مكان للثبات فيها. فمع تغيُّر رجال الشرطة الفاسدين، أو استبدالهم بآخرين فاسدين ولكن بأجنداتٍ مختلفة، بدأ التحالف يضعف. وبعد أن كان ذلك البلطجي ذراعهم في الحي ليساعدهم، بدأت الغرغرينا تنهش أصابع تلك الذراع، بسبب صراعات قديمة، فتحوَّلت من أصلٍ مهم إلى عبء. وعلم رجال الشرطة أنهم إن لم يقطعوا تلك الذراع، فإن الغرغرينا ستصيب جسدهم بأكمله.
أحسَّ البلطجي بذلك، وكانت الكارثة أنه صدَّق الكذبة التي كذبوها جميعًا. فعندما عيَّنوه، كان يعلم أنه بلطجي، وكان يعلم مراد وجوده في الحي، ولكنه ورجال الشرطة كانوا يصوِّرونه على أنه زعيم الحي. وبعد سنواتٍ، صدَّق أنه زعيم الحي بالفعل، ونسي أنه في الأصل بلطجي أُتي به ليقضي مصلحةً ثم يتخلَّصوا منه.
بدأ البلطجي محاولاتٍ لزعزعة أمن الحي حتى يستجلب معاونة الأمن، ولكن مع كل حركةٍ غبية، كان يثبت أنه عبءٌ لا أكثر. وكانت آخر خطواته الغبية إنشاء تحالفاتٍ جديدة مع مصانع حول الحي. يظن الأحمق أن تحالفات أصحاب المصانع ستُغني عن تحالفات رجال الشرطة وأسلحتهم. لا يصلح أصحاب المصانع إلا لأن يُتفق معهم على اتفاقياتٍ اقتصادية وتخفيضاتٍ على أسعار السلع، أما وقت المواجهة فلن يترك التجار تجارتهم ويهبُّوا معه لينقذوه، وأقصى ما سيقدِّمونه له عرضُ خصمٍ على منتجاتهم. وإذا قام أهل الحي بدفع مبلغٍ أكبر للتجار، سينفضون من حوله ويذهبون إلى من يدفع أكثر.
كانت تلك بالفعل نهاية البلطجي في المنطقة، وكأن تلك التحالفات الأخيرة كانت بمثابة معافرة شاةٍ تحاول الهرب بعد نحرها.
أما أعوان البلطجي على ظلمه، فقد عاشوا حياتهم يرتجفون رعبًا منه؛ فهم يعلمون حجم بطشه. وربما بدأوا العمل معه طمعًا في مالٍ أو سلطة، لكنهم علقوا في مستنقعه ولم يستطيعوا الخروج؛ إذ لا يوجد في هذه الحالة سوى بابين: الأول السجن، والثاني القتل. وأما من أنكر، وحاول إقناع نفسه بأن مستنقع البلطجي هو الصواب، ورفض حتى أن يُحدِّث نفسه بالتغيير، ففي مزابل التاريخ مكانه، لا محالة. ــ الدستور