د. سلطان المعاني : نكتب سرديتنا لحاضرنا وغدنا
تنهض سردية المكان والإنسان حين تُستدعى الذاكرة استدعاءً واعيًا، وهادئًا، ودقيقًا، فتتحول من الإغراق في العاطفة والحنينٍ العابر إلى طاقة عمل، ومن صورٍ متناثرة إلى بناءٍ معرفيٍّ وأخلاقيٍّ يفتح الطريق. تبدأ القصة من الوثيقة، والأثر، والدرب القديم، ومن أسماء القرى والجبال والينابيع، وأسماء الناس التي عبرت الزمن وهي تحمل بصمتها في اللغة والحجر والعادة، ثم تمضي نحو قراءةٍ فاحصة تستنطق الشواهد، وتراجع الروايات، وتفكك طبقاتها وتمحصها، وتزن قيمتها، حتى تتكوّن أرضية راسخة تصلح للوقوف عليها بثقةٍ وكرامة، ومصداقية.
تُغري الذاكرة أحيانًا بالاستسلام لدفئها، وتغري اللغة بتجميل الماضي حتى يفقد ملامحه، غير أن السردية الحيّة تسلك مسارًا أكثر عمقاً، يجمع المحبة إلى النقد، والإنصات إلى المحاكمة، والاعتزاز إلى التحقق. ننبش الوقائع لأن الأرض تحتفظ بأكثر مما يظهر على السطح، ونحاكم الشواهد لأن الأمم التي تحترم ذاتها تمنح الحقيقة منزلةً عالية، ثم نعيد تركيب الصورة من جديد، صورةٍ تتسع للتعدد، وتحتمل التعقيد، وتمنح الأجيال القادمة رصيدًا معرفيًا يساندها في زمن التحولات الكبرى.
تتجلى قيمة هذه السردية في أنها تمنح الإنسان موقعه داخل الزمن. يشعر الفرد حين يتصل بسردية مكانه أنه امتداد، وأن جهده اليومي حلقةٌ في سلسلة طويلة من الكفاح والعمران والتجربة. يرى في الأثر خبرةً تراكمت، وفي الدرب ذاكرة حركة، وفي الاسم إشارات نسبٍ وثقافةٍ ومهنةٍ وهجرةٍ ومقام. عند تلك اللحظة يتبدل موقع الإنسان من متلقٍّ للأحداث إلى مشاركٍ في صناعتها، ومن شاهدٍ على التحول إلى عنصرٍ فعّال في تشكيله. وهنا تحديدًا تتحول السردية إلى هوية عمل، وبناء، وإنجاز، وهوية تعرف جذورها وتتحرك بوعيٍ نحو أفقها.
وتكتسب سردية المكان والإنسان قوتها أيضًا من صلتها بالمستقبل. فالماضي في هذا التصور طاقة تأسيس، والعبرة فيه منهج اشتغال، والرؤية فيه بذرة مشاريع. نستحضر رصيدنا الحضاري كي نرى كيف نجح السابقون في إدارة الماء، وفي قراءة الطريق، وفي تنظيم المجال، وفي بناء العلاقات، وفي التفاعل مع البيئات المتغيرة، ثم نستفيد من تلك الخبرات عبر أدوات اليوم، من المعرفة الحديثة، والتقنية، والبحث العلمي، والتخطيط، والتعليم، والعمل المؤسسي. عندئذٍ تغدو السردية جسرًا حيًا بين زمنين، تحمل من الأول الحكمة والخبرة، وتستثمر في الثاني الإمكان والابتكار.
ويمنح هذا المسار المجتمع مناعةً ثقافيةً عالية. فالمجتمع الذي يملك سردية متماسكة يقرأ التحولات بثبات، ويستوعب الجديد بثقة، ويختار مساراته وفق دلالات واضحة. تتراجع الفوضى حين تتقدم الرواية المؤسسة على الشاهد والبحث، وتتراجع الانفعالات العابرة حين تحضر المعرفة المتراكمة، وتكبر مساحة الفعل المنتج حين يشعر الناس أن جهودهم امتداد لمسار طويل من الكدح والإبداع. عندئذٍ تنمو علاقةٌ صحية بين الإنسان ومكانه، تقوم على الرعاية، وصون التراث، وحماية الأسماء، واحترام الذاكرة الحية التي تسكن الحجر واللغة والوجدان الجمعي.
وتتألق السردية أكثر حين تفتح بابًا رحبًا للتفاعل الإيجابي مع الآخر. فالمكان الذي عبرته حقب، وأمم، وحضارات، يحمل في طبقات تكوينه خبرات تلاقٍ وتبادل وتأثير متبادل. تكشف الوثيقة آثار التجارة، وتدل الطرق على شبكات العبور، وتتفصح الأسماء عن تداخل اللغات، وتدلنا الآثار على أن الإنسان، ومنذ آلاف السنين، كان يبتكر صيغًا للتجاور والتفاعل والتعلم. ومن هنا تتكون رؤية إنسانية ناضجة ترى الآخر شريكًا في البناء والرؤية، وتقرأ في الاختلاف فرصةً للتكامل، وتعي بأن التنوع مصدرَ إثراءٍ حضاري يرفع من كفاءة المجتمع وقدرته على الإبداع.
ويحتاج هذا الأفق إلى لغة تليق به، لغة بشرية دافئة، دقيقة، صادقة، تبتعد عن الصيغ الجامدة، وتقترب من نبض الناس وتجاربهم. تحتاج السردية إلى الباحث الذي يقرأ النقش بعين العلم، وإلى المعلم الذي يفتح للطلبة أبواب الأسئلة، وإلى الكاتب الذي يمنح الوقائع روحًا، وإلى المؤسسة التي تجمع الجهد الفردي في مشروعٍ وطني متصل. تحتاج السرديات إلى أرشفة، وخرائط، وتوثيق، وإلى عناية بأسماء الأمكنة، وإلى حماية للوثائق، وإلى برامج تعليمية تربط الطفل بمكانه منذ البدايات. بهذه العناصر تخرج السردية من إطار الخطاب إلى مجال العمل، ومن مناسبة عابرة إلى ثقافة يومية تتجدد مع كل جيل.
ونقف اليوم أمام فرصة ثمينة لصياغة هذه السردية بصيغة توازن بين الرسوخ والانفتاح. نملك أدواتٍ معرفية وتقنية واسعة، ونملك رصيدًا حضاريًا عميقًا، ونملك خبرات بشرية قادرة على الجمع بين البحث والممارسة. وحين تلتقي هذه العناصر في مشروعٍ واضح، تتقدم الأمة بخطى واثقة، لأن الحركة حينها تنطلق من أرضٍ واضحة متينة، ووثيقةٍ محققة، وأثرٍ مقروء، واسمٍ محفوظ، من إنسانٍ يعرف موقعه في التاريخ ويعرف مسؤوليته تجاه الغد.
وتصل بنا السردية في تجلياتها إلى صيغة إلهام جماعي، توقظ الهمم، وتدفع إلى العمل، وتمنح المجتمع قدرةً على النهوض ومواكبة التطورات ومعطيات المستقبل من غير قطيعة مع الجذور. يستمر المشوار عندئذٍ امتدادًا لآلاف السنين، مشوارًا يحمل خبرة الأرض، وحكمة الإنسان، وجرأة الابتكار، وروح الشراكة. وعبر هذا المسار تتجدد القيمة الحضارية للمكان، ويتجدد حضور الإنسان فيه، وتتجدد الرؤية التي تجعل الذاكرة قوةً منتجة، وتجعل السردية طريقًا مفتوحًا نحو غدٍ أرحب.