أ. د. امجد الفاهوم : السوق المحلي في رمضان بين ذروة الطلب وضغوط الجغرافيا السياسية
يشهد السوق المحلي في الأردن خلال شهر رمضان حالة اقتصادية استثنائية تتسم بارتفاع ملحوظ في مستويات الطلب، وتغير في أنماط الاستهلاك، وضغط متزايد على سلاسل التوريد. إلا أن المشهد هذا العام يتقاطع مع معطى جيوسياسي بالغ الحساسية يتمثل في تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما يرافقها من توترات إقليمية تؤثر في حركة التجارة والطاقة وأسعار السلع عالميًا. وبذلك لا يصبح رمضان مجرد موسم اقتصادي داخلي، بل جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الأسواق المحلية مع ديناميات الإقليم.
اقتصاديًا، يمثل رمضان فترة ذروة طلب موسمية، حيث يرتفع الاستهلاك الكلي للأسر نتيجة تغير العادات الغذائية وزيادة التجمعات العائلية. ويؤدي هذا التحول إلى انتقال منحنى الطلب نحو اليمين، خصوصًا في سلع مثل اللحوم، الدواجن، الأرز، السكر، التمور، الألبان، والزيوت النباتية. وفي الظروف الاعتيادية، إذا لم يقابل هذا الارتفاع توسع متزامن في العرض، تميل الأسعار إلى الارتفاع وفقًا لآليات السوق. غير أن التوترات العسكرية في الإقليم تضيف طبقة إضافية من عدم اليقين، ما يعزز الميل التحوطي لدى التجار والمستوردين، ويُترجم أحيانًا إلى هوامش سعرية أعلى تحسبًا لاضطرابات مستقبلية في الإمداد.
وتبرز هنا قناة الطاقة بوصفها أحد أهم مسارات التأثير. فأي تصعيد عسكري في منطقة الخليج أو تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط عالميًا، ما يرفع كلف النقل والشحن والتأمين البحري. وبما أن الأردن يستورد نسبة كبيرة من احتياجاته الغذائية والطاقية، فإن أي زيادة في كلفة الشحن أو الوقود تتسلل تدريجيًا إلى الأسعار النهائية للمستهلك، حتى لو لم يحدث انقطاع فعلي في الإمدادات.
كما تتأثر سلاسل التوريد بعامل المخاطر الجيوسياسية؛ إذ ترتفع أقساط التأمين على الشحن البحري في أوقات النزاع، وتتأخر بعض الشحنات نتيجة إعادة توجيه المسارات أو تشديد الإجراءات الأمنية. هذه العوامل لا تعني بالضرورة نقصًا حادًا في السلع، لكنها قد تؤدي إلى تباطؤ في التدفق الزمني للإمدادات، وهو ما يخلق فجوات مؤقتة في بعض الأصناف، خصوصًا المستوردة.
إلى جانب العوامل الخارجية، تلعب السلوكيات الاستهلاكية دورًا مهمًا. ففي أجواء التوتر الإقليمي، تميل بعض الأسر إلى زيادة التخزين بدافع القلق من احتمال انقطاع السلع أو ارتفاع أسعارها لاحقًا. هذا السلوك، وإن كان مفهومًا نفسيًا، قد يفاقم الضغط على المخزون المتاح ويُحدث اختلالًا لحظيًا بين العرض والطلب، بما يعزز موجات ارتفاع قصيرة الأجل في الأسعار.
من جهة أخرى، تكثف الأجهزة الرقابية حضورها خلال رمضان لضبط الأسواق ومنع الاحتكار أو المبالغة في التسعير. غير أن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن الضبط الإداري للأسعار، إذا لم يترافق مع ضمان انسياب السلع وتوفير مخزون كافٍ، قد يؤدي إلى آثار عكسية، مثل تقليص الحافز على الاستيراد أو توجيه جزء من النشاط إلى قنوات غير منظمة. ومن ثمّ فإن المعالجة الفاعلة تكمن في التوازن بين الرقابة الرشيدة ومرونة السوق.
ورغم التحديات، فإن المرحلة تحمل فرصًا كامنة. فارتفاع تكاليف الاستيراد قد يعيد تسليط الضوء على أهمية تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي وتوسيع سلاسل القيمة الوطنية، بما يقلل الاعتماد النسبي على الأسواق الخارجية في السلع ذات الطلب المرتفع خلال رمضان. كما أن تطوير منظومة المخزون الاستراتيجي، وتحسين نظم المعلومات المتعلقة بالكميات المتاحة وحجم الاستهلاك المتوقع، يحدان من أثر الصدمات الخارجية ويعززان الثقة بالسوق.
في المحصلة، يتقاطع موسم رمضان هذا العام مع بيئة إقليمية مضطربة تضيف أبعادًا جديدة إلى معادلة الاستقرار السعري. فالتأثير المحتمل للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لا يظهر فقط عبر أسعار النفط، بل يمتد إلى كلف الشحن والتأمين، وسلوكيات الأسواق، وتوقعات الفاعلين الاقتصاديين. وإذا أُديرت هذه المرحلة بتخطيط استباقي وشفافية معلوماتية وتنسيق فعال بين القطاعين العام والخاص، يمكن تقليص أثر الصدمات الخارجية، وتحويل موسم الذروة من مصدر ضغط إلى اختبار ناجح لقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود والتكيف في محيط إقليمي شديد التقلب. ــ الدستور