فراس النعسان : لماذا تقاتل إيران العالم كله؟
حين تبدأ إيران باستهداف الأعيان المدنية ومراكز الاقتصاد والمال خارج ساحات القتال المباشر، فإن السؤال لم يعد عسكرياً بقدر ما أصبح نفسياً وسياسياً: ماذا حدث داخل عقل النظام نفسه؟
الهجمات التي طالت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج والأردن لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها ردوداً عسكرية أو رسائل ردع. ما يجري أقرب إلى انتقال النظام الإيراني من منطق الدولة إلى منطق «الجرح المفتوح». فمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، بما يمثله من رمزية دينية وسياسية للنظام، لم يكن مجرد خسارة قيادة، بل كسرٌ نفسي لمنظومة حكم قامت طوال عقود على فكرة «الحصانة التاريخية» واعتقاد عميق بأنها محصّنة من السقوط المباشر.
حين تفقد الأنظمة الأيديولوجية رمزها المركزي، تدخل غالباً مرحلة انتقام غير عقلاني. ليس الانتقام هنا موجهاً نحو الفاعل الحقيقي فقط، بل نحو البيئة الإقليمية بأكملها. ذلك لأن النظام، في لحظة الصدمة، يعيد تفسير العالم بطريقة ثنائية حادة: إما معنا أو ضدنا. وهنا تتسع دائرة الأعداء تلقائياً، حتى تشمل دولاً لم تشارك في الصراع أصلاً.
واذا نظرنا إلى عقلية الانتقام التي ظهرت في السلوك الإيراني، نجد أنها ليست نتاج غضب لحظي، بل نتيجة بنية فكرية تشكّلت منذ الثورة عام 1979. النظام الإيراني لم يبنِ شرعيته على الازدهار الاقتصادي أو التعاقد الاجتماعي مع مواطنيه، بل على فكرة الصراع الدائم. وجود «عدو خارجي» لم يكن خياراً سياسياً بل ضرورة وجودية تبرر استمرار التعبئة الداخلية وتؤجل الأسئلة الصعبة داخل المجتمع الإيراني نفسه.
لكن ما تغيّر اليوم هو أن هذا العدوان أصبح واسعاً إلى حد خطير. فعندما تُستهدف الموانئ، المطارات، والبنى الاقتصادية لدول الجوار، فإن الرسالة لم تعد ردعاً بقدر ما أصبحت محاولة لإعادة تشكيل الإقليم عبر الفوضى. النظام، في لحظة ارتباك، يبدو وكأنه يعتقد أن تعميم عدم الاستقرار يمنحه مساحة للبقاء، لأن الاستقرار الإقليمي يسلّط الضوء على أزماته الداخلية المتراكمة.
المفارقة أن هذا السلوك يكشف ضعفاً لا قوة. الدول الواثقة من نفسها تسعى لعزل الصراع وحصره، بينما الأنظمة القلقة توسّعه أملاً في تخفيف الضغط عنها. استهداف الاقتصاد تحديداً يعكس إدراكاً إيرانياً بأن دول الخليج والأردن تستمد قوتها من الاستقرار والتنمية، وليس من المواجهة العسكرية، وبالتالي فإن ضرب هذه النقطة هو محاولة لضرب نموذج منافس أكثر منه هدفاً عسكرياً.
الأيام المقبلة تحمل احتمالين متناقضين. الأول أن يستمر النظام في الانزلاق نحو عقلية «الحصار الشامل»، حيث يرى كل ازدهار حوله تهديداً مباشراً، ما يعني تصعيداً متكرراً وغير قابل للتنبؤ. أما الاحتمال الثاني، وهو الأرجح على المدى الطويل، فيتمثل في أن يؤدي الإفراط في الانتقام إلى نتيجة عكسية: عزلة أعمق، وتحالفات إقليمية أكثر صلابة، وضغط داخلي متزايد داخل إيران نفسها.
في النهاية، المشكلة ليست في قرار عسكري هنا أو ضربة هناك، بل في طبيعة نظام يرى العالم من خلال ذاكرة الثورة لا واقع الدولة. وحين تحكم الذاكرة السياسة، يصبح الانتقام بديلاً عن الاستراتيجية، وتتحول الدنيا كلها إلى ساحة رد فعل دائم. السؤال الحقيقي إذن ليس لماذا يهاجم النظام الإيراني جيرانه اليوم، بل إلى متى يستطيع الاستمرار في العيش داخل عقلية الحرب بينما المنطقة تتجه، رغم كل شيء، نحو المستقبل.