د. هيفاء ابو غزالة : قانون الضمان… في حضن البرلمان وظهر الناس إلى الجدار
للمرة الثانية أكتب عن قانون الضمان الاجتماعي، لا لأن الفكرة نضجت، بل لأن الحكومة قررت أن تعيد تسخين الطبق نفسه، وتقدّمه هذه المرة على مائدة مزدحمة بالأخبار الكبرى، لعلّ أحدًا لا ينتبه إلى الطعم.
كتب الكُتّاب، واحتجّ الإعلاميون، وناقش الخبراء، وامتلأت المنصات بالتحليلات والرسوم البيانية، حتى خُيّل إلينا أن القانون سيتوقف قليلًا ليقول: "عفوًا، يبدو أن هناك ملاحظات”. لكن القانون، كعادته، لا يسمع. فهو مشروعٌ واثق الخطوة، يمشي بخط مستقيم نحو البرلمان، غير آبهٍ بضجيج الشارع ولا بأسئلة المتقاعدين ولا بحسابات الشباب الذين يحاولون فهم كيف سيصلون إلى تقاعدٍ قد يأتي… أو لا يأتي.
المفارقة أن توقيت "القذف في حضن البرلمان” جاء مثالياً من وجهة نظر تكتيكية: المنطقة تغلي، والسياسة تلتهم العناوين، والأحداث الإقليمية تتسابق على الشاشات. في زحمة التحليلات العسكرية والتصريحات النارية، يمرّ قانون الضمان خفيفًا كأنه خبرٌ جانبي في أسفل الصفحة. الحكومة لا تمرر قانونًا؛ بل تمرر لحظة انشغال عام.
ولأن الذاكرة قصيرة في زمن الأزمات، يبدو أن الرهان هو أن الناس ستقول: "ليس الآن… لدينا ما هو أهم”. وهكذا يتحول الضمان الاجتماعي — الذي يفترض أن يكون صمام أمان المجتمع — إلى بند مؤجل في نقاش عام مؤجل أصلًا.
الأطرف أن المشروع يُقدَّم كل مرة بعبارات منمّقة: "استدامة مالية”، "تعزيز الحماية الاجتماعية”، "تحديث تشريعي”. كلمات كبيرة، لكنها حين تقترب من جيب المواطن تصبح صغيرة جدًا. وحين تقترب من سنوات خدمته، تصبح أكثر حساسية. أما حين تلامس أمله بتقاعد كريم، فهي تتحول إلى معادلات حسابية معقّدة لا يفهمها إلا من صاغها.
المشهد أقرب إلى مسرحية سياسية:
الجمهور مشغول بعرضٍ صاخب على الخشبة الإقليمية،
وفي الكواليس يُعاد ترتيب نصّ قانون يمسّ كل بيت.
نحن لا نعترض على الإصلاح، ولا نرفض التطوير، ولا ننكر حاجة أي مؤسسة إلى مراجعة. لكن الإصلاح الذي يأتي متخفّيًا في ظل العواصف، يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات. الإصلاح الذي يُسرَّع حين ينشغل الناس، يوحي بأن الوقت لم يُختر بعفوية.
ولأننا كتبنا ونكتب للمرة المليون !!، فذلك ليس تكرارًا… بل تذكيرًا.
التذكير بأن قانون الضمان ليس تفصيلًا تقنيًا، بل عقدًا اجتماعيًا بين الدولة والمواطن.
وأن البرلمان، وهو يستقبل المشروع في "حضنه”، مطالب هذه المرة ألا يكون حضنًا دافئًا بلا أسئلة، بل ساحة نقاش حقيقية، علنية، شفافة.
ففي النهاية، الضمان ليس أرقامًا في جداول، بل أعمارًا في الانتظار.
وليس بندًا في قانون، بل قصة جيلٍ يريد أن يطمئن إلى أن شيخوخته لن تُدار بمنطق "الظروف السياسية تقتضي”.
قد تمرّ الأزمات، وقد تتبدّل العناوين، لكن ما يبقى هو أثر القرار.
أما القوانين التي تُمرَّر على وقع الانشغال العام، فغالبًا ما تعود يومًا لتُناقَش… لكن في توقيتٍ أكثر كلفة