احمد حمد الحسبان : منظومة متكاملة للمرور
قد يكون من المبكر جدا الاعتقاد بأن الترتيبات المرورية وفقا للنظام الجديد قد ترسخت في أذهان العامة. لكنها ـ بالتأكيد ـ أصبحت أقرب إلى ذهن المواطن من أي وقت مضى. وبالتالي هناك المزيد من الإجراءات التي لا بد من اتخاذها لترسيخ النظام وتحويله إلى ممارسات عادية والتزام دائم كما هو الحال في الكثير من الدول. هنا لا بد من الإشارة إلى ثغرات عديدة لا بد من التعاطي معها، وإصلاحها، بهدف تجويد العملية المرورية وإقناع المواطن بأن التزامه بالنظام لن يضيف عليه أعباء جديدة، وأنه يصب في سلامته وينعكس عليه وعلى وطنه إيجابا. فمع نشر آلاف الكاميرات المتخصصة بالمراقبة المرورية، ارتفعت وتيرة الشكوى من كثرة المخالفات المرورية، وتحول العملية إلى أعباء مادية زيادة على ما كانت عليه في السنوات السابقة. وتعززت صدقية تلك الشكاوى بأرقام رسمية تم الكشف عن بعضها في وثائق رسمية وعلى ألسنة أشخاص في مواقع المسؤولية. فبينما أشارت موازنة أمانة عمان الكبرى عن حجم عوائدها من بند المخالفات المرورية عام 2023 وهو العام الذي سبق تطبيق النظام الجديد أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون دينار، وفي العام 2024 اكثر من أربعة ملايين دينار، كشف أمين عمان الكبرى يوسف الشواربة أن عوائد المخالفات خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2025 مبلغ 45 مليون دينار. وتوقع مسؤولون في الأمانة أن ترتفع عوائد هذا البند إلى أكثر من خمسين مليون دينار في نهاية العام. وضمن ذات السياق، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الرقم سيرتفع كثيرا خلال العام الحالي 2026، كنتيجة للتوسع في تركيب الكاميرات. ولأن هذه الأرقام تخص أمانة عمان الكبرى فقط، فمن المؤكد أن تكون الأرقام المحصلة على مستوى المملكة أكبر بكثير. الأمر الذي يفسر ما ذهبت إليه الحكومة في منح خصومات لمن يبادر بدفع ما تحقق عليه من مخالفات، وبحيث تتدرج هذه الخصومات من الأعلى إلى الأسفل وفقا لمواعيد السداد. وهي فكرة ـ وإن لاقت استحسان الكثير من المتضررين ـ إلا أن وجهة النظر الأخرى تميل إلى إن الخطوة أسهمت في إفراغ نظام المرور الجديد من مضمونه، وأعادت إلى الأذهان ما نفته الحكومة مرارا من مزاعم بأن الهدف من زرع آلاف الكاميرات ونشر الآلاف من رجال المرور في الشوارع هو الجباية. دليلهم على ذلك أن الخطوة ساوت بين المتخلفين عن تسديد الضرائب والرسوم، وبين مرتكبي مخالفات السير، والشاكين من الأعباء الكبيرة التي ترتبت عليهم. ومن يجدون في تفاصيل النظام الجديد وإجراءاته التنفيذية ما يخرج عن إطار التنظيم المتكامل للعملية المرورية من ألفها إلى يائها.
فهناك من يطرح ـ على سبيل المثال ـ مسألة الربط بين المخالفات ورسوم
التأمين، وبين الحوادث المرتكبة والغرامات التي يتم تحصيلها لشركات
التأمين، وقراءة ذلك من زاوية ازدواجية المخالفة. بمعنى أنه يدفع قيمة
المخالفة أكثر من مرة ولأكثر من جهة. وهناك من يرى وجود ثغرات إجرائية في
النظام المروري بشكل عام، ومن ذلك أن الكاميرات مبرمجة لتسجيل المخالفات
وفقا لسرعات مختلفة تبعا لموقع الكاميرا، الأمر الذي يؤثر سلبا على تركيز
السائق، ويوقعه في المخالفة. في هذا السياق، يشكو البعض من اختلاف السرعات
المسموحة في نفس الشارع داخل المدن، ففي بعض الشوارع تختلف السرعة المسموحة
بين المسربين، أو الصعود والانحدار، وأحيانا بدون أي مبرر واضح. ويرفق
الشاكون ملاحظاتهم مع مطالبة بأن يتم توحيد السرعة داخل المدينة، أسوة
بالعديد من دول العالم. وبحيث تكون السرعة موحدة داخل المدينة وفي كل
شوارعها، ما يمكن السائق من تثبيت السرعة، والتركيز على قيادة السيارة بدلا
من تفقد اليافطات على جوانب الشوارع والتي تغطي الأشجار ويافطات الإعلان
أغلبها، الأمر الذي يعرضه للمزيد من المخالفات.
في بعد آخر، هناك من يرى أن أولوية الإنفاق للمبالغ المحصلة من النظام
المروري بشكل عام يجب أن تذهب لإصلاح وصيانة الشوارع، في ضوء ما تعانيه
بعضها من أوضاع مأساوية، وبما يضفي إحساسا بأن المبالغ المحصلة من
المخالفات تنعكس على العامة مباشرة، وأن المخالفين يستفيدون منها أولا
بأول. وقد يكون من الأفضل أن تذهب إلى صندوق خاص يؤسس في كل بلدية باسم «
صندوق الشوارع» ترصد فيه تلك العوائد وتخصص لإصلاح الشوارع ضمن حدود
البلدية أو الأمانة، وفقا لأولويات تحدد مع الموازنة في بداية كل عام، بدلا
من إنفاقها على شراء سيارات لكبار الموظفين، أو صرف مكافآت أو حتى توظيف
اشخاص زيادة عن الحاجة. وبحيث تسير تلك الإصلاحات جنبا إلى جنب مع استكمال
عناصر النظام المروري الموحد.
ــ الغد