منى سعيد : ملائكة الرحمة
بقلم :منى سعيد - القاهرة
من قلب الزحمة… من بين أصوات الأجهزة في المستشفيات، ومن وسط شوارع القاهرة اللي عمرها ما بتهدى… اتعلمت إن الرحمة مش كلمة، الرحمة فعل. اتعلمت إن لمسة حنية ممكن تقوم مريض من وجعه، وإن ابتسامة صافية ممكن ترجّع الأمل لروح كانت خلاص تعبت.
أنا سستر مي… بشتغل في مجال التمريض ، وشايفه وجوه كتير، حكايات كتير، دموع وابتسامات، خوف ورضا. كل يوم بدخل الشيفت وأنا عارفة إن شغلي مش بس حقنة بتتاخد، أو ضغط بيتقاس… شغلي رسالة. رسالة عنوانها "الإنسان قبل أي حاجة”.
في القاهرة، المدينة اللي بتجري طول الوقت، المستشفيات فيها عالم تاني خالص. عالم مليان قلوب محتاجة احتواء قبل العلاج. أكتر حاجة لمست قلبي كانت تعاملي مع الأطفال. الطفل المريض بيبقى خايف مش من الوجع بس… خايف من المكان، من الأجهزة، من الناس اللي لابسة أبيض. كنت دايمًا أنزل لمستواه، أتكلم معاه بهدوء، أضحكه، أحكيله حكاية صغيرة قبل ما أبدأ أي إجراء. كنت بشوف في عينه نظرة أمان أول ما يحس إن في حد فاهمه ومقدّر خوفه. اللحظة دي كانت بتنسيني أي تعب.
وكبار السن… دول حكاية تانية. كل تجعيدة في وشهم وراها عمر طويل من الصبر والكفاح. كانوا محتاجين كلمة طيبة قد ما محتاجين دوا. كنت أحرص أقعد معاهم دقيقة زيادة، أسمع منهم، أطبطب على إيديهم، وأفكر نفسي دايمًا إن ممكن في يوم من الأيام أبقى مكانهم. الرضا اللي كنت بشوفه في عيونهم بعد ما أخلص خدمتي، كان أعظم مكافأة.
التمريض مش مهنة سهلة. فيه سهر، فيه ضغط نفسي، فيه مواقف صعبة بتكسر القلب. بس في المقابل، فيه دعوة طالعة من قلب أم طفل اتحسن، أو ابتسامة جدّة حسّت إنها مش لوحدها. الدعوات دي كانت بتوصل لقلبي قبل ما توصل للسماء.
اتعلمت إن ملائكة الرحمة مش لازم يكون عندهم جناحات. ممكن يبقوا ممرضين وممرضات، واقفين جنب السرير، ماسكين إيد مريض، أو بيقولوا "ما تخافش… أنا جنبك”.
ويمكن ده سر المهنة دي… إنك تدي من قلبك قبل إيدك.
ويمكن عشان كده، كل يوم كنت برجع بيتي تعبانة جسديًا… لكن قلبي مليان رضا وسلام.