الأخبار

بشار جرار : ضمان أم ائتمان، ادخار أم استثمار؟

بشار جرار : ضمان أم ائتمان، ادخار أم استثمار؟
أخبارنا :  

إنه في أول الأمر وآخره، قرار. فردي أم مؤسسي أم مجتمعي أم وطني، هو قرار لا يتخذ بجرة قلم، فتلك أمانة في عنق صناع القرار لا من يتخذه فقط. أمانة ثقيلة، كان الله في عون من تصدى أو تعهد بحملها. والقرار -أي قرار- لا بد بأن يكون اختيارا بين خيارات متاحة، وأخرى تم ابتكارها أو تطويرها. قرار لا بد أن يستفيد من تجارب العالم كله شرقه وغربه (سياسيا)، شماله وجنوبه (اقتصاديا)، ومن دروس التاريخ أيضا. وقبل هذا وذاك، من ذلك النبع الذي لا ينضب، ألا وهو المَعين الروحي والموروث الثقافي.

الإنفاق دائما مِنقَصَة لا بمعنى مَثْلَبَة أو عيبا، بل من حيث كونه يُنقِص ما جرى من رزق بين اليدين، ما لم يكن ذلك الإنفاق في صدقة، مصداقا للحديث الشريف «ما نقَص مالٌ من صدقة».

ما دام هنالك ثمة فجوة بين الموجودات والموارد من جهة، والنفقات بكل أنواعها من جهة أخرى، فإن الناظر في «الحسبة» يعلم أن مبادئ الحساب والعلوم التطبيقية كلها -القابلة للقياس- مبادئ موضوعية قائمة بذاتها، لا تتأثر بالمواقف ولا بالمشاعر مهما بلغت من الرفعة والعظمة!

بذلك يكون الاستثمار خيراً من الادخار. فالأخير -حتى ولو تم ربطه بفائدة أو مرابحة أو سندات قبض استثمارية مجزية أو سخية- يبقى محدودا أما آفاق الاستثمار الرحبة وذلك عمل أو جهد قومي بمعنى وطني لا يقتصر على قطاع دون آخر أو ميدان غير سواه.

كلاهما، الادخار والاستثمار، ليس بالمال فقط وما شابه من ودائع وموجودات. فالصحة أيضا قابلة للادخار والاستثمار، وكذلك المعرفة والسمعة الطيبة، الشخصية قبل المهنية، والمعنوية والهِمّة والحيوية أو الطاقة، بمعناها الحقيقي لا كما يروج لها مَعشر الطاقة الإيجابية وما ينبثق عنها مما يعرف بالإنجليزية أو الثقافة الأمريكية بال «غُدْ فايْبْز» (كما في الجيم المصرية وفي فاء علامة النصر)!!

ومن يطيب له ما تَقدّم، يستحسن في أغلب الظن، ذلك التقارب اللفظي والبنيوي الوظيفي بين الائتمان والضمان.. حتى روحيا، الله سبحانه هو مولانا وراعينا، واهب وضامن النعم كلها لا مجرد الأرزاق. وإنها كما نشهد في مساجدنا وكنائسنا إنها نعمٌ التي لا تحصى. والنعم والهبات والمكرمات الربانية الأخرى التي ألِف دوامها بعض الناس، لا يدركون وجودها وأهميتها في حياتهم الخاصة والعامة، إلا بزوال أو نقصان، أو بوادر ما لا رادّ لقضائه.

القضاء الرباني في ضمان النعم هو حُسن الائتمان. يعلم الصائمون -مسلمين ومسيحيين- في هذه الأيام المباركة، في أردننا الحبيب، يعلمون كيف يختارون الانقطاع عن نِعم كالمأكل والمشرب، احتسابا بمعنى ادّخارا واستثمارا.. فتلك طاعات ترنو إلى نيل نِعم أعلى مرتبة، وأكثر قيمة ودواما، في دنيانا وآخرتنا.

العبرة إذن في حُسن الائتمان وحُسن الاستثمار. ومن الظلم لأنفسنا، أن نحصر تلك المعاني العظيمة بمعادلة حسابية تقيس الصادر بالوارد. وإن كان من عتاب محب يأذن به البوح أكثر النصح، فإن تلك القضية التي شغلت الرأي العام وأثرت لا ريب على المزاج العام على مدى أيام، تصادفت مع ملفات أخرى لا تقل حساسية داخل الوطن وخارجه. وهي بذلك تستدعي النقاش الوطني العام الذي لا ينحصر بالحكومة ولا حتى البرلمان، من إخوتنا الأعيان والنواب الأكارم. تلك المفاهيم الأربعة، معنية بها المؤسسات الأكاديمية ذات الاختصاص النقديّ، والاقتصادي والاجتماعي، والسياسي والأمني. ومن قبلُ المؤسسات التربوية والروحية. الأديان كلها، قبل تطور المجتمعات ونشوء الدول، وما سبقها من أشكال وهياكل تتعلق بالسلطة والثروة والقوة، تعاملت مع مفاهيم الرعاية والتكافل والتضامن الاجتماعي، انطلاقا من النواة الأساسية ألا وهي الأسرة -النووية والممتدة (العشيرة)- وعمادها الإيمان، بمعنى المؤسسة الرعوية الدينية.

الضرائب والمكوس والتأمينات الاقتصادية والاجتماعية بأنواعها، عالميا وعبر التاريخ، وحتى الزكاة والعشور والصدقات والهبات والأوقاف الإسلامية والمسيحية، لم ولن تغني يوما عن الدور الروحي الفردي فالأسري فالمجتمعي وأخيرا، الحكومي. لأجل ذلك تكون هناك انتخابات وبرامج انتخابية وحكومية حقيقية يختار الناس على أساسها المرشحين للمناصب -حيث يُساءل شاغروها- على واجبهم الأول وهو العمل بأمانة خدمة لحقوق الناس الأساسية وفي مقدمتها أرزاق العاملين خلال وبعد خروجهم من سوق العمل لأي سبب كان. لا يخفى على أحد أن الإنفاق أو توفير مستلزماته هو المطلوب فحسب، حيث يعرف العارفون بشؤون المال والأعمال أن أولوياتهم الحقيقية في الاستثمار والادخار، قبل الإنفاق، وما يؤمّن العيش الكريم للناس سيما المتقاعدين، بعد أن قدم العاملون ما عليهم من واجب إزاء أنفسهم وأسرهم ومهنتهم ووطنهم. وأولى الناس في حماية حقوقهم هم أولئك الذين ما قصروا في أداء الواجب الوظيفي والوطني، ولطالما كان على حساب أسرهم وصحتهم.

هذه «الضجة» من الأجدى أن تكون صحوة للجميع، سيما للمدخنين! نعم قد يبدو الأمر للبعض تافها لكنه مثال يضرب في سياق. فمن جار على صحته، وعمره عمادا لبيته وسندا لأسرته، لم يُحسن ائتمان ما وهبه الله من نعم، لا يقوى على تعويضها جميع التأمينات الصحية والمالية والاجتماعية في العالم! وقس على «إدمان» التدخين طلبا لنشوة كذّابة خدّاعة قتّالة، الكثير من الأمثلة التي تبدأ بالممارسة أو السلوك وتنتهي بآلية اتخاذ القرار بين خيارات وضمن أولويات.

كلنا رعاة، لا قضاة.. والفيصل هو ثمر أعمالنا، فيما أنفقنا عمرنا وجهدنا، صحتنا وعافيتنا، علمنا ومالنا. بهذا وحده، يستوي الميزان..

مواضيع قد تهمك