مكرم احمد الطراونة : الحدود والسيادة والمواثيق.. خارج حسابات هاكابي
التصريحات السياسية لا تمر بوصفها "تسرعا" أو "انفعالا" أو "سوء تقدير"، خصوصا حين تصدر عن سفير يفترض أنه يمثل دولة تقدم نفسها حارسا للنظام الدولي، ومعيارا للشرعية، ومرجعا في لغة القانون وحقوق الدول.
حديث السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي، بمقابلته مع الإعلامي تاكر
كارلسون، جاءت أشبه بـ"الفضيحة"، فقد وضع المنطقة كلها خارج الحسابات، بما
فيها من الحدود والسيادة والمواثيق الدولية، وحتى أبسط معايير الحس السياسي
والإنساني.
يقول هاكابي إن تمدد إسرائيل على حساب الإقليم يمكن أن يعد أمرا "مقبولا"،
وإن شرعية هذا التمدد لا تحتاج إلى لغة الدبلوماسية، ولا إلى أدلة السياسة،
بل إلى مرجعية أعلى هي تفسير ديني يخلط التاريخ بالوعد، والجغرافيا
بالنبوءة، والدولة الحديثة بسردية "الشعب المختار".
التصريح ليس زلة لسان، بل عينة ممثلة لخطاب أوسع، وخلفية فكرية لا تعمل على
هامش القرار الأميركي، بل من داخله، تتمثل في تيار "القومية المسيحية"
بوصفه رؤية سياسية ثقافية كاملة، تعيد تعريف "أميركا" نفسها، ليست دولة
حديثة محكومة بعقد اجتماعي ودستور، بل كيان ذو رسالة دينية في التاريخ.
هاكابي يكشف كيف أن مقاربة واشنطن للمنطقة في بعض مفاصلها الحساسة تدار
بعقل يستعير أدوات الأسطورة ويعيد تدويرها في السياسة، وكيف أنها تسعى تحت
غطاء المصالح والاستراتيجية، إلى تمرير سردية تبرر التوسع، وتمنح الكيان
الصهيوني تفويضا يتجاوز البشر والقوانين، وكأنها تتحرك في جغرافيا بلا
شعوب، أو وكأن اختلال موازين القوى يفرض إعادة تعريف "الأمن" بوصفه حقا
مطلقا لطرف واحد.
كلام السفير قد لا يمثل سياسة رسمية كاملة للولايات المتحدة، لكنه يكشف
"ميلا"، أو اتجاها فكريا بات حاضرا بقوة في بيئة القرار الأميركي، ويؤمن
بمنح إسرائيل شرعية مطلقة، ويطلب من المنطقة أن تتعامل معه بوصفه "حقيقة
نهائية".
هذا ما يجعل حضور التيار القومي المسيحي داخل المشهد السياسي الأميركي
عاملا لا يمكن التقليل منه، فنفوذه لا يقاس فقط بعدد السياسيين المتدينين،
بل بقدرته على تعبئة جمهور واسع عبر قضايا ثقافية دينية حادة، لتلتقي مع
صيغ من "الصهيونية الإنجيلية" التي ترى دعم إسرائيل واجبا عقائديا.
ولأن التصريحات جاءت في لحظة إقليمية فائقة الحساسية منذ السابع من أكتوبر،
فإن توقيتها لا يقل أهمية عن مضمونها. المنطقة تعيش ارتدادات حرب طويلة
على غزة، واحتكاكات متفرقة تكاد تتحول إلى اشتباك واسع في أكثر من ساحة،
فيما تتصاعد في الخلفية لغة "إعادة رسم الخرائط" و"حسم الصراع" و"كسر
التوازن"، وهو مناخ قابل للتأويل في أكثر من اتجاه.
مقارنة تصريحات هاكابي مع تصريحات شخصيات إسرائيلية مؤخرا، يؤشر إلى ملامح
جديدة لمعادلة خطيرة، يمنح فيها الكيان الصهيوني "شرعية مطلقة" في إطلاق
يده على كل ما يستطيع تحقيقه في المنطقة، وهي معادلة لا تختلف كثيرا عن
شريعة الغاب.
من هنا، فالتصعيد مع طهران وسط هذا الخطاب المتشدد يمكن أن يتحول إلى جزء
من رؤية أمنية سياسية أوسع تريد إعادة ترتيب الإقليم كله، لا ضبط سلوك طرف
واحد. حتى مع استمرار المسارات التفاوضية، ترسل مثل هذه التصريحات رسالة
ضمنية بأن التفاوض ليس بالضرورة طريقا لتخفيف التوتر، بل قد يكون مجرد
إدارة للوقت في ظل تصور أكبر لمواجهة إقليمية.
لا يكفي التعامل مع التصريح بوصفه استفزازا عابرا. الأهم أن يقرأ بوصفه
مؤشرا على صعود خطاب يزيح القانون الدولي لصالح تفويض غيبي، ويحول المنطقة
إلى مادة خام لتصورات ترى الإنسان هامشا. تحالف التيار القومي المسيحي
الأميركي مع الصهيونية في زمن القوة المطلقة بات خطرا على الدول.. مثلما هو
خطر على الإنسانية. ــ الغد