الأخبار

مالك العثامنة : عمان التي تختنق… والمدينة التي يمكن أن تولد من فكرة

مالك العثامنة : عمان التي تختنق… والمدينة التي يمكن أن تولد من فكرة
أخبارنا :  

أنت اليوم لا تحتاج إلى تقرير مروري لتدرك أن العاصمة "عمّان" قد تجاوزت حافة التعب، ويكفي أن تحاول المشي– في مدينة تعادي فكرة المشي- وفي أي حي عادي لتكتشف أن المشكلة ليست في السيارات وحدها بل في الفكرة التي حكمت التخطيط لعقود، فكرة أن الأرض سلعة فقط، وأن الكثافة حل اقتصادي سريع، وأن الإنسان يمكنه أن يتكيف مع الإسمنت، في الأسابيع الماضية عادت الصحافة الأردنية والإذاعات المحلية للحديث عن ازدحام لا يحتمل، وعن بيوت تراثية تهدم بهدوء، وعن أبراج سكنية تبتلع الأحياء، وكأن المدينة تتحول من فضاء حياة إلى مخزن سكني كبير.

أزمة عمان ليست مرورية بل سياسة عمرانية أخفقت بامتياز، فحين تمنح تراخيص بلا تصور شامل للنقل العام، وحين تختفي الأرصفة والحدائق، وحين تختفي الظلال من الشوارع المتكدسة بكل لزوميات ما لا يلزم، يكون هناك قرار صامت ومريب أن المدينة لم تعد للناس بل للمتر المربع، وهذا القرار لا يصدر بمرسوم، بل بتراكم سنوات من تجاهل سؤال بسيط: لمن نبني عمان؟ ولأي طبقة اجتماعية نخطط؟ ومن يدفع ثمن الفوضى حين ترتفع الكلف وتضيق الحياة؟
من هنا تظهر فكرة المدينة الجديدة كاختبار حقيقي، لا كمشروع عقاري آخر، بل كهندسة اجتماعية مختلفة، وإذا أردنا لها فعلا أن تنجح فيجب أن تبنى خارج قواعد البناء الخرساني التي أفقدت عمان روحها، يجب أن تكون مدينة تقوم على النقل العام بكرامة للجميع، وعلى المساحات العامة قبل المولات، وعلى التنوع الطبقي قبل المجمعات المغلقة، عليها أن تكون مدينة تخلق وظائف وخدمات قريبة من السكن، وتعيد الاعتبار لفكرة الحي المنتج لا الحي النائم، وتفتح بابا حقيقيا لإنقاذ الطبقة الوسطى في عمان والزرقاء من ضغط الإيجارات – بلا معنى حقيقي- وغلاء الأرض- بلا معايير منطقية- وانهيار جودة الحياة، عبر إسكان ميسر، ومدارس عامة محترمة، وبنية تحتية رقمية وصحية حديثة تجعل البقاء في البلد خيارا ممكنا لا تضحية.
من الضرورة أن تكون المدينة الجديدة ليست بديلا عن عمان العاصمة، بل فكرة استثمارية جاذبة بالأساس لخلق حالة مدينية مدروسة، ونموذج اقتصادي وعمراني يعيد تعريف معنى المدينة في الأردن، لكن نجاحها مرتهن برؤية إستراتيجية تشمل كل مستويات الدولة، من التشريع إلى التمويل إلى البلديات إلى التعليم المهني إلى النقل، لأن المدينة – أي مدينة- ليست مخطط أراض فقط، بل شبكة حياة كاملة.
وفي المقابل لا يمكن أن تبنى مدينة جديدة فيما القديمة تتآكل، فحماية ما تبقى من تراث عمان، وضبط الكثافة، وإصلاح منظومة النقل العام، وإعادة الاعتبار للمساحات العامة، ليست تفاصيل تجميلية بل ضرورة يجب أن تستمر كجزء من الأمن الاجتماعي نفسه، فالمدينة التي تضيق على أهلها تنتج توترا صامتا، والمدينة التي تفتح لهم مجال الحياة تصنع ثقة، والثقة هي أساس أي اقتصاد حديث.  ــ الغد

مواضيع قد تهمك