د. نهلا عبد القادر المومني : اللجنة الوطنية لتنظيم مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال
شكل مجلس الوزراء لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من المخاطر المرتبطة باستخدام منصات التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت عموما، وذلك في إطار الحماية الرقمية لهذه الفئة.
القرار يشكل منعطفا مهما في حماية الأطفال، وخطوة في الاتجاه الصحيح نحو
تنظيم متوازن لمنصات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الناشئة وأدواتها
عموما؛ وهناك معطيات عدة في الحقيقة تجعل من ذلك القرار أداة في حماية
الأجيال القادمة أبرزها:
أولا: يتوافق إنشاء لجنة لحماية اليافعين من المخاطر المترتبة على استخدام
منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت والمعايير الدولية لحقوق الإنسان؛ ففي
الوقت الذي سيتمخض عن هذه اللجنة قرارات قد تؤدي إلى تقييد الوصول لهذه
المنصات أو تضع اشتراطات معينة، إلا أن هذه القيود تنسجم والعهد الدولي
الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أجاز تقييد ما يتعلق بحرية التعبير
والإنترنت عموما حماية للنظام العام بما في ذلك الأخلاق والآداب العامة
وبشكل خاص عندما يرتبط الأمر بالأطفال ومخاطر أي تجاوزات على نموهم العقلي
والنفسي، وتجدر الإشارة إلى أن هذا العهد قد صادق عليه الأردن ونشره في
الجريدة الرسمية.
من جانب آخر تؤكد اتفاقية حقوق الطفل- التي صادق عليها الأردن ونشرها في
الجريدة الرسمية أيضا- على مبدأ عام يتوجب أن يحكم جميع الإجراءات المتعلقة
بالأطفال وهو مبدأ مصلحة الطفل الفضلى، كما أن الاتفاقية ذاتها نصت على
حماية الأطفال من الاستغلال بكافة أشكاله وبغض النظر عن الوسيلة، كما أكدت
الاتفاقية ذاتها على جواز وضع قيود على حرية التعبير والوصول للأطفال حماية
للمصلحة العامة.
وفي السياق ذاته نجد أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وفي بعض قراراتها
أيدت قرارات للحكومات بالتقييد حماية للنظام العام والأخلاق العامة عندما
يتعلق الأمر بالأطفال.
ثانيا: على الصعيد الوطني؛ وانسجاما مع اتفاقية حقوق الطفل الدولية أكد
قانون الطفل الأردني على مبدأ مصلحة الطفل الفضلى وعلى ضرورة حمايته في
جميع الإجراءات التي تتخذ، كما أشار القانون إلى إلزام الجهات المختصة
بتبني السياسات واتخاذ الإجراءات التي تحول دون تعرض الطفل للعنف بأشكاله
كافة وكذلك كافة أشكال الاستغلال.
وفي الإطار ذاته فالممارسات الفضلى في دول العالم تتجه نحو تقييد وتنظيم
وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا وأدواتها عموما
لخصوصية هذه الفئة.
ثالثا: إن تنظيم وصول الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي والإنترنت عموما هو
شكل من أشكال العمل على توجيه الطاقات وحمايتها؛ خاصة في مجتمع يشكل فيه
الأطفال نسبة كبيرة وطالما أن طاقاتهم تتوجه دون رقابة أو تقييد نحو هذه
الأدوات التكنولوجية فإنها ستشكل طاقات مهدورة، وطاقات ستوظف في طرائق
مختلفة وتكون عرضة للاستغلال والابتزاز والمعلومات المضللة وفي أحيان أخرى
للأفكار المتطرفة والإرهابية، وهو ما يكشف عنه الواقع العملي الذي يشير إلى
ارتفاع نسبة استغلال هذه الفئة من قبل أفراد وجهات وجماعات مختلفة.
في وقت سابق قامت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بالطلب من منصة الألعاب
الشهيرة روبلوكس إزالة خاصية غرف الدردشة من داخل المملكة لهذه اللعبة؛ بعد
تقارير ودراسات حذرت من المخاطر الرقمية التي يتعرض لها الأطفال نتيجة
استخدام هذه الخاصية، بالإضافة إلى شكاوى وردت بهذا الخصوص ومراعاة لمبدأ
مصلحة الطفل الفضلى تمت عملية الحظر الجزئي.
هذا التوجه المحمود يستلزم أن يكون في إطار منهجي مستمر وإخضاع هذه الأدوات
والمنصات لعمليات تقييم مستمرة، وهو الأمر الذي نأمل أن يتم باستمرار من
خلال اللجنة الوطنية لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية، فهو أمر أصبح
ضرورة لازمة إذا ما أردنا تحقيق أفضل استثمار في الطفولة وتوجيهها لبناء
الإنسان المتوازن والقادر على إحداث التغيير في مجتمعه ووطنه عموما. ــ الغد