الأخبار

علاء الدين ابو زينة : أن تفكر كفلسطيني..! (21)

علاء الدين ابو زينة : أن تفكر كفلسطيني..! (21)
أخبارنا :  

الهِبة التي لا تلزم الفلسطينيين!
ثمة عرب يعلنون المشاركة في «خطة غزة» بتبرع مادي متواضع جدًا -وإنما بالكثير من الاستعداد المتحمس لمشاركة فاعلة في «برامج مكافحة خطاب الكراهية والدعوة إلى التعايش». وبطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر بمطالبة الكيان الاستعماري القاتل بالتخلي عن خطابه الذي كله كراهية مسمومة والتفكير في التعايُش. والمقصود بكل وضوح هو الضغط على الفلسطينيين وحدهم حتى يعشقوا معذبيهم ويتعايشوا مع العذاب كقدر حتمي.

لا يمكن لأي منطق عاقل أن يتعامل مع لغة الخطاب خارج بناها السياسية. قبل مطالبة الفلسطينيين تغيير لغتهم -من جانب واحد- ينبغي التفكير في الشروط التي تنتجها وتصوغ مفرداتها. لم يكُن الفلسطينيون ليستخدموا مفردات حُب ولا كراهية لوصف أشخاص سيكونون غير موجودين لو أنهم واصلوا العيش في بلدانهم، ولم يأتوا غزاة دمويين إلى فلسطين. ومن موقع الدهشة، سيسأل الفلسطيني أشقاءه الخائفين عليه والمستعدين حتى للتبرع بالجهد والوقت والفكر لتعليمه خطاب «الحب» و«التعايش»: في ظل واقع استعماري قائم، معَ ماذا ومَن تريدني أن أتعايش؟ تحت أي نظام للسيادة والحقوق؟ وبأي تعريف للعدالة؟
التعايش، كما يُفهم في الاستخدام المتداول، هو العيش المستسلِم لقدَرٍ لا يمكن تغييره، كأن يتعايش الفرد مع مرض عُضال لا علاج له حتى النهاية المحتومة لصراعه مع المرض. وإذا كان ثمة «عيش مشترك» يمكن الحديث عنه، فبين ذوات متكافئة حرة، تعترف كل منها بإنسانية الأخرى وحقوقها كاملة.
أما استدعاء «التعايش» ليعني «العيش المشترك حسن النية» في سياق علاقة استعمارية، من دون مساءلة هذه العلاقة أو العمل على تفكيكها، فيعني مطالبة ضمنية للمضطهَد بقبول الاختلال كواقع نهائي. وكما هو متوقع تمامًا في السياق العربي، فإن كيانًا عربيًا طبع استمرارًا استيطانيًا إحلاليًا –بمعنى الموافقة على الخروج الحتمي لشعب من التاريخ- سيتبرع ببناء مبنى في غزة، بينما يركز فقط على تهذيب الفلسطينيين لغتهم تحت الهيمنة وتخفيضهم سقف مطالبهم. وبالطبع، سيُهمش صرف الجهد لجعل الفلسطينيين يستخدمون لغة حبّ ويتعايشون مع المحبوب أي جهد حقيقي للمطالبة بإنهاء شروط السيطرة. وسيُعاد تعريف الصراع ليصبح مشكلة «خطاب» أو «سوء فهم»، أو «عواطف طائشة» مثل حُب المراهقة، وليس صراعًا على أرض وسيادة وحقوق ووجود.
وإذن، كل هذا القتل والتهجير والتهديم واستهداف كل ذرة في بناء الهوية الفلسطينية متعلق أساسًا برفض «التعايش»، ولا علاقة له ببنية الاستعمار! والمطلوب هو إقناع الضحية بالتكيُّف مع شروط المستعمِر وليس استنطاق هذه الشروط. ينبغي أن يتعايش الفلسطينيون مع استمرار السيطرة العسكرية، والاستيطان، والاعتقال، وهدم البيوت، ونظام قانوني عنصري بامتياز. وكما يقترح اهتمام الشقيق العربي، فإن «تعايش» الفلسطينيين مع هذه اليوميات هو قيمة أخلاقية إنسانية وضرورة عملية يشكل العمل من أجلها المساهمة الأساسية في دعم الأشقاء وبناء غزة.
سوف يفكر الفلسطيني: إذا كان هذا المشارك في برامج ضبط خطاب الفلسطينيين متحمسًا للفكرة إلى هذا الحد، لماذا لا يعرِض على المستَعمِر استضافته في بلده والتخلي له عن بيته، ثم ينظم له قصائد حب، ويتعايش مع واقع وصفه شخص مهم بأنه «عيش تحت بساطير الجنود»؟ في الحقيقة، يغلب أن يفعل ما دام قد طبّع فكرة الاستعمار البشعة ويرى أن من الواجب دفع المستعمَرين إلى التعايش معها بلا كراهية وبقلب مفتوح!
عندما يتحدث أحد عن «مكافحة خطاب الكراهية» في السياق الفلسطيني، ويطرحه بلا تعريف دقيق ومعايير متساوية، فإنه يقوم بتجريم السردية التاريخية للفلسطينيين المستعمَرين. وبحسب التوصيف المتداول لـ«مكافحة خطاب الكراهية» التي يتزعم جهودها ويُعرِّفها بنيامين نتنياهو نفسه، فإن وصف الاحتلال بأنه احتلال هو خطاب كراهية. وتسمية التهجير تهجيرًا هو خطاب كراهية؟ ووصف يافا بأنها عربية فلسطينية هو خطاب كراهية. وعندما يغضب فلسطيني هدموا بيته بلا وجه حق، فإن ما يقوله سيكون «تحريضًا». وعندما يطالب فلسطيني بالتحرر أو يعمل لأجل حريته يكون «تطرفًا».
وفي المقابل، ينبغي إعادة تأطير مفردات الخطاب بحيث يكون عنف الدولة الاستعمارية «دفاعًا عن النفس»، وتُقدَّم سياسات الإقصاء باعتبارها «ضرورات أمنية». ينبغي على الخاضع للهيمنة أن يُنقّي مفرداته، بينما لا يُشترط على بنية الهيمنة أن تُراجع واقعها. ومع ذلك، يشارك المشاركون في برامج «مكافحة خطاب الكراهية والدعوة إلى التعايش» باعتبارها مقدمة لـ«إعادة تأهيل» المجتمع الفلسطيني للاندماج في نظام إقليمي يتشكل وفق توازنات تقودها الولايات المتحدة، ويحتل فيه الكيان الاستعماري الصهيوني موقع الفاعل المركزي!
في جنوب أفريقيا، لم تُبنَ المصالحة على إنكار نظام الفصل العنصري، وإنما على الاعتراف به واستنكاره وتفكيكه مؤسسيًا. وفي أيرلندا، لم تُنجز التسوية السياسية إلا بعد الاعتراف بالحقوق الوطنية والسياسية المتنازع عليها. ولم يكن «التعايش» هنا وهناك بديلًا عن العدالة، وإنما نتيجة لها. ولَم يطلب أحد من الضحايا تخفيف لغتهم ليصبحوا جديرين بالسلام، وإنما أعيد توزيع علاقات القوة والسلطة بطريقة سمحت بنشوء لغة جديدة.
لا يفهم الفلسطينيون فكرة أن حل الصراع سيكون بتحسين الفلسطينيين خطابهم! وماذا قد يكون أكثر خفة من خطاب الرسميين المعترف بهم كممثلين للشعب الفلسطيني؟ أو إعلان أن الناصرة هي جزء لا يتجزأ من «إسرائيل» ولا يحق الفلسطينيين المطالبة بها؟ وفي المقابل، يتطوع عرب لبذل الجهد في «ورش التسامح» بينما يستمر إصدار قوانين المصادرة والتمييز، وإعادة رسم ديموغرافيا الأرض الفلسطينية بقوة فرض الوقائع.
إذا كان ثمة أحد يركز مشاركته في «خطة غزة» على إجبار الفلسطينيين على نبذ «لغة الكراهية» ضد المستعمِر و«التعايش» مع الاستعمار، فإن ما يقوله هو لغة كراهية صريحة ضد الشعب الفلسطيني. ولو كان ثمة صدق في الحديث عن «مكافحة خطاب الكراهية» لكان قد بدأ – وانتهى- بمساءلة البنية التي تُنتج الكراهية: الهيمنة الاستعمارية؛ الإفلات من العقاب، وغياب أي أفق سياسي لحل يلامس حتى أدنى معايير العدالة للفلسطينيين. وكما يفكر فلسطيني، فإن على مواطنيه الاعتذار عن قبول هِبة الأشقاء لإعادة بناء غزة بالمحاضرة بهم عن الحب والكراهية، والمقاومة والتعايش.  ــ الغد

مواضيع قد تهمك