د. محمد صبحي العايدي : التنمية والمجتمع (2): الزكاة التنموية- قراءة مقاصدية معاصرة
القراءة السائدة للزكاة تنظر إليها بوصفها عبادة مالية محضة، علاقة فردية بين العبد وربه، بينما يكشف النص القرآني عن أفق أوسع يجعلها جزءاً من نظام اجتماعي، يعيد توزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع، فعندما يقول القرآن :»خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» حيث تتجاوز الزكاة كونها تطهيراً للنفس لتكون تزكية للمجتمع، وإعادة توازن للعلاقات الاقتصادية والإنسانية، فهي ليست إحساناً فوقياً، ولا مجرد نقل مال من شخص إلى آخر، بل نقل الإنسان من حالة العجز إلى القدرة، ومن الدور الهامشي إلى الفاعلية.
غير أن التحولات التي أصابت الواقع الإسلامي عبر العصور أسهمت في حصر
الزكاة- في كثير من تطبيقاتها- في تخفيف الفقر بدل معالجته، وفي إدارة
الحاجة بدل إنهائها، حتى أصبح العطاء في صورته الغالبة يقتصر على سد الجوع
المؤقت، دون تفكيك أسبابه، وعلى تهدئة الألم دون إزالة منشئه، ومن هنا
فالسؤال الجوهري: هل الزكاة إعانة مؤقتة بحيث يبقى الفقير عالة على
المجتمع، أم مشروع تنمية يعيد بناء الإنسان ويحرره من دائرة الحاجة؟
عند التأمل في النص القرآني في مصارف الزكاة في قوله تعالى: «إنما الصدقات
للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين
وفي سبيل الله وابن السبيل»، يتضح أن النص لم يقتصر على فئة عامة من
المحتاجين، بل حدد ثمانية أصناف متمايزة، ولو كانت الحاجة واحدة وطريقة
علاجها واحدة، لما كان لهذا التفصيل معنى، فالتشريع لا يميز بلا حكمة، إنما
يدل تنوع الأصناف على تنوع وسائل المعالجة.
«فالفقراء» هم المعدمون الذين يحتاجون إلى إغاثة عاجلة، و»المساكين» من لا
يكفيهم دخلهم، فيحتاجون إلى إعانة، أما العاملون عليها، فهم القائمون على
جمعها، وتشمل الموظف العمومي أو من يقوم بخدمة المجتمع، إن كان لا يكفيه
دخله، و»المؤلفة قلوبهم» يمثلون جانباً من التمكين الإيماني، الذي قد
تحتاجه الأمة في مختلف العصور.
وفي مصرف «في الرقاب» يكشف عن مقصد تحرير الإنسان وتمكينه الاجتماعي، وهذا
النموذج واضح في الدلالة على أن الزكاة قد تتجه إلى بناء القدرة الإنسانية
التعليمية والمهنية وغيرها، مما يؤسس لفكرة التمكين الإنساني وتحريره من
الاستغلال، أما مصرف «في سبيل الله» فإن حمل على معناه العام، فيشير إلى
توظيف الأموال الزكوية في المشاريع المستدامة والاستثمارات ذات الأثر
الطويل، إذا لا معنى لتكرار الإغاثة هنا، وقد ذكرت في الأصناف السابقة، كما
ذهب فريق آخر من العلماء إلى حمله على تمكين من يدافع عن أرضه ووطنه
ودينه، ويجهزه بما يحفظ أمن المجتمع واستقراره، وأما «ابن السبيل» فهو
العابر المنقطع عن موطنه، فيحتاج إلى إعانة مؤقتة تعينه على العودة لأهله،
لا إلى تمكين دائم، مما يكشف أن الزكاة في أصلها ليست إعانة مالية عامة، بل
سياسة اجتماعية متعددة الأدوات والغايات.
ومن هنا يظهر الفارق الجوهري بين الإعانة والإغاثة والتنمية، فالإعانة
تعالج الأثر، بينما التنمية تعالج السبب، والإعانة تبقي الإنسان مستهلكاً،
أما التنمية فتحوله إلى دائرة الإنتاج، وليس مقصد الشريعة مجرد سد الجوع،
بل إنهاء الحاجة ذاتها، بل يتجاوزه إلى بناء إنسان قادر على العطاء بعد أن
كان محتاجاً إليه، وهذا لا يعني إلغاء زكاة الإعانة أو الإغاثة، بل ترتيبها
وفق الأولويات، فالإغاثة عند الضرورة، والإعالة عند الحاجة، والتمكين
والاستثمار عند الإمكان، بحيث يعان العاجز، ويمكّن القادر، ويغاث العابر،
ويحرر المثقل، ويتحول العطاء من استهلاك آني، إلى استثمار اجتماعي مستدام.
فكرة تحول الزكاة إلى أداة للتنمية، ليست خروجاً عن الفقه الإسلامي، بل
جذور راسخة في اجتهادات العلماء المتقدمين، وقرارات المجامع الفقهية
المعاصرة، حيث قرروا أن الفقير يعطى ما يحقق كفايته المستقرة، ولو كان ذلك
بتمويل حرفة، أو شراء أدوات عمل، أو إنشاء مورد دائم يخرجه من دائرة الفقر،
وهذا التصور يفتح آفاقاً واسعة للنظر إلى الزكاة باعتبارها وسيلة للتمكين
الاجتماعي، والاستثمار الاقتصادي، لا مجرد نفقة استهلاكية.
إن إعادة قراءة الزكاة في ضوء مقاصدها الكبرى تكشف أنها ليست مجرد صدقة
تحفظ البقاء، بل مشروع للنهضة، وتحويل للمال من قوة فردية محدودة، إلى طاقة
اجتماعية فاعلة، هنا يتجلى الفقه الحقيقي للزكاة، وتستعيد رسالتها في بناء
الإنسان وعمارة المجتمع.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد