الأخبار

م . سعيد بهاء المصري : حرية التعبير في الغرب بين الرقمنة والسياسة وخطاب الكراهية من الليبرالية الكلاسيكية إلى حوكمة المجال المعرفي

م . سعيد بهاء المصري :  حرية التعبير في الغرب بين الرقمنة والسياسة وخطاب الكراهية من الليبرالية الكلاسيكية إلى حوكمة المجال المعرفي
أخبارنا :  

المقدمة: من حماية الفرد إلى حماية الحقيقة

نشأت حرية التعبير في الفكر الغربي بوصفها أحد أعمدة الفكرة الليبرالية وأهم أدوات مقاومة الاستبداد السياسي والديني. فقد قامت الديمقراطيات الحديثة على قناعة راسخة بأن الحقيقة لا تُفرض من السلطة، بل تُكتشف عبر النقاش المفتوح وتعدد الآراء، وأن المجتمع الحر هو المجتمع الذي يسمح حتى للأفكار الصادمة أو غير المريحة بأن تُسمع وتُناقش.

غير أن هذا المفهوم لم يبق ثابتاً كما وُلد. فعلى امتداد العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، بدأ مسار طويل من إعادة تعريف حدود حرية التعبير، انطلق في البداية من دوافع تاريخية مشروعة مرتبطة بمنع عودة الفاشية وخطاب الكراهية، لكنه توسّع تدريجياً ليشمل مجالات أوسع وأكثر تعقيداً. ومع انتقال المجال العام إلى الفضاء الرقمي وتزايد دور المؤسسات الأكاديمية والتكنولوجية في إدارة الخطاب، لم تعد القيود على حرية التعبير استثناءً قانونياً محدوداً، بل أصبحت جزءاً متزايداً من البنية المؤسسية التي تنظّم النقاش العام.

في هذا السياق، شهد مفهوم معاداة السامية تحولاً موازياً؛ إذ انتقل من تعريف تاريخي يرتبط أساساً بإنكار المحرقة والتحريض ضد اليهود، إلى تعريفات أوسع باتت تتقاطع في بعض الحالات مع النقد السياسي للحركة الصهيونية أو للسياسات الإسرائيلية. ومع تصاعد الحرب في غزة وانتقالها إلى المجال الرقمي العالمي، انفجرت هذه التحولات دفعة واحدة في وعي جيل جديد بات يرى أن حدود حرية التعبير لم تعد واضحة كما كانت، وأن بعض القضايا تُعامل بحساسية استثنائية داخل المؤسسات الغربية.

من هنا تنطلق هذه الدراسة لفهم المسار الذي قاد إلى هذه اللحظة: كيف انتقلت حرية التعبير من حق شبه مطلق في مواجهة الدولة، إلى مفهوم مُثقل بالشروط والقيود المؤسسية؟

أولاً: الجذور الفلسفية والقانونية والانقسام الأمريكي الأوروبي

حرية التعبير كضمانة ضد الاستبداد

في الفكر الليبرالي المبكر، كان الخطر الرئيسي هو الدولة. لذا جاءت حرية التعبير كحاجز دستوري يمنع السلطة من إسكات المعارضين. في الولايات المتحدة، تُرجم ذلك في التعديل الأول للدستور الذي يمنع الكونغرس من سنّ أي قانون يقيّد حرية التعبير. الفلسفة الكامنة خلف ذلك هي فكرة «سوق الأفكار».

أوروبا وتجربة الكارثة

لكن أوروبا خرجت من القرن العشرين بتجربة مختلفة. صعود الفاشية والنازية أظهر أن الخطاب يمكن أن يكون أداة تعبئة نحو العنف الجماعي. هنا ظهر مفهوم «الديمقراطية الحارسة»، التي ترى أن النظام الديمقراطي ليس ملزماً بحماية خطاب يهدد وجوده.

خطاب الكراهية كفئة قانونية

بعد الحرب العالمية الثانية جرى تقنين خطاب الكراهية في العديد من الدول الأوروبية، خاصة في ما يتعلق بالتحريض على التمييز أو إنكار الهولوكوست. لم يبقِ هذا الانقسام القانوني في الإطار النظري، بل انعكس بوضوح في التشريعات المعاصرة. ففي الولايات المتحدة ما يزال المعيار القانوني الأعلى هو حماية الخطاب حتى لو كان صادماً أو مسيئاً، ما دام لا يشكل تحريضاً مباشراً على العنف الوشيك. هذا الفهم جعل القضاء الأميركي يميل تاريخياً إلى توسيع نطاق الحماية حتى لخطابات متطرفة، انطلاقاً من الاعتقاد بأن قمع الأفكار قد يكون أكثر خطراً من تداولها.

في المقابل، طورت أوروبا منظومة تشريعية تفرض قيوداً صريحة على خطاب الكراهية والتحريض، وهو ما تعزز في العقد الأخير مع انتقال النقاش إلى البيئة الرقمية وتحميل المنصات مسؤوليات أكبر تجاه المحتوى.

ثانياً: الثورة الرقمية وتفكك المجال العام

مع الإنترنت انتهى عصر الوساطة الإعلامية التقليدية، وأصبح كل فرد قادراً على النشر لجمهور عالمي. لم تختفِ الوساطة، بل انتقلت إلى الخوارزميات. شركات التكنولوجيا أصبحت تدير المجال العام عبر أنظمة غير مرئية تتحكم في ترتيب المحتوى وانتشاره. وهكذا ظهرت للمرة الأولى سلطة واسعة التأثير على النقاش العام لا تستمد شرعيتها من الانتخابات ولا تخضع للآليات الديمقراطية التقليدية.

تعتمد المنصات على نموذج اقتصادي قائم على جذب الانتباه، ما يجعل المحتوى المثير للغضب أو الصدمة أكثر قابلية للانتشار. وهكذا أصبح الاستقطاب نتيجة بنيوية في تصميم البيئة الرقمية.

مع تدخلات التضليل في الانتخابات الغربية وصعود الحملات المنظمة عبر الإنترنت، ظهر مفهوم جديد هو حماية «سلامة المجال المعرفي». لم يعد السؤال فقط: هل يحق لك أن تتكلم؟ بل أصبح: هل يحق لك أن تضلل على نطاق صناعي؟ ومع هذا التحول التقني، بدأت المؤسسات تبحث عن أدوات تعريفية تضبط الحدود بين النقد المشروع والخطاب الذي يُعد ضاراً، وهو ما مهّد لظهور التعريفات الثلاث.

ثالثاً: التعريفات الثلاث وتحول المفهوم إلى جدل سياسي

في ظل تصاعد الجدل حول حدود النقد المشروع لإسرائيل، وجدت المؤسسات الغربية نفسها أمام سؤال حساس: كيف يمكن التمييز بين معاداة السامية بوصفها شكلاً من أشكال العنصرية التاريخية ضد اليهود، وبين النقد السياسي لدولة إسرائيل أو للحركة الصهيونية؟

في هذا السياق برزت ثلاث مقاربات رئيسية:

تعريف IHRA (International Holocaust Remembrance Alliance) الصادر عام 2016، الذي قدّم تعريفاً عملياً يتضمن أمثلة، من بينها حالات تتعلق بإسرائيل، مثل إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير أو تطبيق معايير مزدوجة عليها.

إعلان JDA (Jerusalem Declaration on Antisemitism) الصادر عام 2021، والذي حاول رسم خط أوضح بين العداء لليهود كيهود وبين النقد السياسي لإسرائيل أو للصهيونية.

وإطار Nexus (Nexus Task Force) الذي تبنّى مقاربة سياقية ترى أن العلاقة بين نقد إسرائيل ومعاداة السامية تعتمد على اللغة والسياق والنية.

هذا الاختلاف ليس تقنياً فحسب، بل يعكس رؤى متباينة حول حدود حرية التعبير. ومع اعتماد بعض هذه التعريفات داخل الجامعات والمؤسسات العامة، تحوّل تعريف غير ملزم قانونياً إلى معيار امتثال مؤسسي يُستخدم في التحقيقات وسياسات السلوك.

في المقابل، شهدت دول غربية ارتفاعاً في حوادث معاداة السامية والاعتداءات على دور العبادة، ما يفسر تشدد المؤسسات في إدارة الخطاب. غير أن هذا التوسع التدريجي في التعريفات خلق لدى بعض قطاعات الرأي العام انطباعاً بأن الحدود بين مكافحة العنصرية وتقييد النقد السياسي لم تعد واضحة كما كانت.

رابعاً: صدمة غزة وتسييس حرية التعبير في المجال العام الغربي

شكّلت الحرب على غزة نقطة انعطاف حاسمة في مسار الجدل حول حرية التعبير في الغرب، ليس فقط بسبب طبيعة الحدث السياسي، بل بسبب الطريقة التي انتقل بها إلى المجال العام العالمي. فقد كانت من أوائل الحروب التي جرى توثيقها وبثّها بشكل مكثف عبر الهواتف الذكية ومنصات الفيديو القصير، ما جعلها تُشاهَد وتُناقَش لحظة بلحظة خارج الإطار التقليدي لوسائل الإعلام.

في الحروب السابقة، كان الجمهور الغربي يتلقى الأخبار أساسًا عبر مؤسسات إعلامية كبرى تمتلك سلطة التحرير والانتقاء. أما في حرب غزة، فقد تقلّصت المسافة الزمنية بين الحدث والتلقي إلى حدّها الأدنى، وأصبح الأفراد أنفسهم منتجين مباشرين للمحتوى. هذا التحول غيّر طبيعة السلطة التي تتحكم في تفسير الحدث، إذ لم يعد المجال العام يُدار حصريًا من غرف الأخبار، بل توزّع بين ملايين الحسابات الفردية.

دخل الصراع إلى النقاش العام بوصفه اختبارًا حيًا لمفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي، وانتشرت المقارنات بين الأزمات الدولية بشكل فوري. وسواء كانت هذه المقارنات دقيقة أو مبسطة، فإن أثرها في وعي جيل رقمي نشأ على المقارنة الفورية كان عميقًا.

تحولت الجامعات إلى ساحات مواجهة، وبرزت مفارقة بين خطاب الانفتاح الأكاديمي وسياسات الحذر المؤسسي. ومع تعمّق فجوة الثقة بين الأجيال، بدأ يتشكل انطباع بأن بعض القضايا تُدار بحساسية استثنائية، وأن حدود حرية التعبير قد لا تُطبَّق بالدرجة نفسها في جميع الملفات. وهكذا أصبح الجدل جزءًا من الاستقطاب السياسي وصراع الأجيال داخل الغرب نفسه.

خامساً: مستقبل حرية التعبير في عصر الذكاء الاصطناعي

إذا كانت الثورة الرقمية قد أعادت تشكيل المجال العام، فإن دخول الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة أكثر تعقيدًا. لم يعد السؤال من يملك الحق في الكلام فقط، بل من يملك القدرة على ترتيب الحقيقة وتضخيمها أو تقليلها. فالمنصات لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تدير ظهوره وانتشاره عبر أنظمة خوارزمية تحدد ما يُرى وما يُهمَل.

تزداد خطورة هذا التحول مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو يصعب تمييزها عن الواقع. ومع انتشار هذه التقنيات، يصبح التحدي مضاعفًا: ليس فقط إدارة ما يقوله البشر، بل التعامل مع محتوى قد تنتجه الأنظمة نفسها على نطاق واسع. وهنا يتداخل سؤال حرية التعبير مع سؤال أعمق يتعلق بإدارة الحقيقة في عصر الإنتاج الاصطناعي للمعلومات.

يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة: توسع دور الدولة في التنظيم، أو ترسيخ سلطة المنصات العابرة للحدود، أو نموذج هجين تتداخل فيه الرقابة القانونية مع الإدارة الخوارزمية. أياً يكن المسار، فإن حرية التعبير لم تعد تُمارس في فراغ، بل داخل بنية تقنية معقدة تعيد تشكيل شروطها وحدودها.

الاستنتاجات: كيف تم تدجين حرية التعبير؟

تكشف هذه الدراسة أن حرية التعبير لم تتراجع فجأة، بل خضعت لإعادة تعريف تدريجية امتدت لعقود. ما بدأ كاستثناء تاريخي أصبح جزءاً من البنية المؤسسية لتنظيم الخطاب.

توسع مفهوم معاداة السامية توازى مع هذا المسار، ومع حرب غزة انتقل الجدل إلى المجال العام العالمي ووعي جيل رقمي جديد.

أصبحت حرية التعبير اليوم حقاً مُداراً داخل منظومة مؤسسية معقدة. والسؤال لم يعد أين تنتهي حرية التعبير، بل من يملك سلطة تحديد حدودها.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام الديمقراطيات الغربية اليوم هو كيف تحافظ على جوهر هذا الحق، دون أن تفقد ثقة الأجيال الجديدة بأن حرية التعبير ما تزال حقاً أصيلاً لا امتيازاً مشروطاً. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك