خلدون ذيب النعيمي : رمضان الخير : النفس والرحم والمجتمع
ورد في السنة النبوية أنه «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم» وهذه دلالة حقيقية أن شهر رمضان هو موسم الخير الأكبر، وعلى الرغم انه اقترن بالامتناع عن الطعام والشهوات وما يصاحبها من تهذيب للنفس الا انه بحق استاذ في تطويع النفس بما قد يخالطها من شوائب تجافيها عن الفكر والسلوك الطيب، وهذا دلالة ان جزئية الصوم عن الطعام هي جزء من كل من فلسفة هذا الشهر في التعاطي مع الذات والأسرة والمجتمع، ومن هنا كان تحذير الشرع الحنيف ان بعض الصائمين بعدم فهمهم او تجاهلهم لمقاصد الصيام لا ينوبهم سوى الجوع والعطش، والجميل ان رمضان الخير لم يكن في موروثنا الشعبي الاردني مناسبة دينية بحتة بقدر ما هو مناسبة اجتماعية للتآلف والتصالح مع الجميع وبالشكل الذي يحقق مقاصده التهذيبية.
لا زال بالبال فرحنا الطفولي ونحن نرى بهجة الاسرة والجيران بتصدر مفتي المملكة شاشة التلفزيون مبشراً برؤية هلال رمضان ليتبعها مباشرة مع بث تواشيح واغاني القدوم الرمضانية بصوت النقشبندي ومحمد عبدالمطلب تبادل التهاني والتبريكات والترحيب بالصائمين الجدد من الاطفال والوعد بعيدية معتبرة لهم، صحيح البعض كان صومه صوم العصفورة «أي جزء من اليوم» مع التغاضي عن الاكل والشرب للأطفال احياناً لتأكيد فلسفة الصيام بكونه تهذيباً اسرياً مجتمعياً قبل ان يكون مجرد الامتناع عن الطعام والشراب فرؤية مدرسة رمضان تعم بخيرها الجميع منذ الصغر، صحيح ان تباشير رمضان تبدأ مع النصف الثاني من شعبان من خلال تحضيرات العائلة التموينية له والتي كان وقتها بالمناسبة بسيطة جدا لا تختلف عن باقي الايام باستثناء القمر الدين ومستلزمات القطايف والتي كان مقصدها التحلاية والترويح للصائمين والاطفال والضيوف في وقت كانت الاسرة وسهراتها مع ضيوفها من الاقارب والجيران في ضوء عدم شيوع السهرات الخارجية واماكن الترفيه وقتها.
وكان «العنايا» وهو الاسم الشعبي للقريبات من الأمهات والاخوات والعمات والخالات وبناتهن الحصة الأكبر فهن الرحم الذي اشتق الله سبحانه وتعالى منه اسميه الجليلين «الرحمن الرحيم» بل وتوعد بوصل من يصلهن وقطع من يقطعهن، فللعنايا طقوس الاحتفاء بهن وخاصة من الارامل وايتامهن ممن فقدن مصادر اعالتهن فضلاً عن كبيرات السن اللواتي يعانين من الامراض المزمنة فكان «رمضانياتهن» المادية فضلا عن دعوتهن لوجبات الافطار وتفقد حاجات بيوتهم وفق ألية معينة من الاسرة والاقارب تجعل من رمضان مصدر الفرح لهم ولعائلاتهن، وحتى المقتدرات مادياً لا تغيب فرحتهن بالهدايا المختلفة ولسان حالهن «غنية وأحب الهدية»، وليس بعيداً عن «العنايا» ايضاً تفقد الفقراء من الاقارب والجيران الذي يكون لهم حصتهم التي تدخل الفرح والامل لعائلاتهم وبالشكل الذي يضمن لهم كرامتهم الانسانية بعيداً عن عدسات الكاميرا وما يصاحبها من أذى المنَة والاحراج لهم ولنسائهم واطفالهم.
«رمضان تجلى وابتسم فطوبى للعبد إذا اغتنم» ما زالت هذه الكلمات العذبة بصوت المنشد توفيق المنجد تراود الخاطر مع قدوم رمضان المبارك، رمضان المدرسة والموسم الخيَر للنفس والعائلة والرحم والمجتمع فهو الفوز والربح الذي حذر الرسول الكريم صلى الله وعليه وسلم من فقدانه بقوله «خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له»، فجمالية الخير وحقيقته ان يعم الجميع بعيداً عن الانكفاء على النفس او الأسرة وعدم الاحساس بحاجات الآخرين الذين يجمعنا بهم الجسد الواحد «اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى».