أ. د. هاني الضمور : قانون التعليم: تحديث مطلوب أم مخاطرة؟
يُجمع الأردنيون على أن إصلاح التعليم لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية تمليها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. غير أن الضرورة وحدها لا تكفي لتبرير أي مسار إصلاحي، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع يمس وعي المجتمع وهويته واستقراره على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية يستحق قراءة استراتيجية متأنية، لا تنطلق من الرفض ولا من القبول التلقائي، بل من سؤال المصلحة الوطنية العليا.
يعكس المشروع تحولًا واضحًا في فلسفة التعليم، حيث يتقدم منطق المواءمة مع سوق العمل، والتخصص المبكر، والتعليم التقني والمرن، ليصبح الإطار المرجعي الغالب في تعريف أهداف التعليم. هذا التوجه، من حيث المبدأ، مفهوم في عالم يتغير بسرعة، وتتصاعد فيه معدلات البطالة، وتشتد المنافسة على الفرص الاقتصادية. لكن الإشكالية لا تكمن في الاعتراف بأهمية الاقتصاد، بل في تحويله إلى البوصلة شبه الوحيدة التي تُوجّه السياسات التعليمية.
فالتعليم، تاريخيًا ووظيفيًا، لم يكن مجرد وسيلة لإنتاج مهارات قابلة للتوظيف، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا لبناء الإنسان المواطن. وعندما يختل هذا التوازن، ويتراجع البعد التربوي والقيمي لصالح البعد الوظيفي، فإن المخاطر لا تظهر فورًا، لكنها تتراكم بهدوء، وتنعكس لاحقًا في ضعف الوعي العام، وتراجع الانتماء، وتآكل الدور الاجتماعي للتعليم.
ورغم أن المشروع يتضمن إشارات صريحة إلى القيم الوطنية والدينية والإنسانية، إلا أن حضور هذه القيم يبدو، في بنيته العامة، أقرب إلى الإطار الخطابي منه إلى المرتكز الحاكم للعملية التعليمية. فالهوية الوطنية لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل من خلال مناهج حيّة، ومعلمين مُمكّنين، وبيئة مدرسية تجعل المواطنة والانتماء ممارسة يومية، لا مادة نظرية هامشية.
ويزداد القلق حين نضع هذا التحول في سياق التوسع في التخصص المبكر والمسارات الضيقة، ما قد يؤدي إلى إنتاج أجيال عالية الكفاءة مهنيًا، لكنها أقل ارتباطًا بسردية وطنية جامعة. فالتعليم الذي يُفكك التجربة التعليمية إلى مهارات منفصلة، دون إطار قيمي جامع، يُنتج أفرادًا ناجحين اقتصاديًا على المدى القصير، لكنهم أكثر عرضة للاغتراب الثقافي وأقل إحساسًا بالمسؤولية العامة.
كما تثير بنية المشروع تساؤلات مشروعة حول مركزية القرار التربوي، واتساع صلاحيات الجهات الرسمية، مقابل محدودية المشاركة المجتمعية الحقيقية في صياغة السياسات التعليمية. فإقصاء المعلمين، وأولياء الأمور، والخبراء التربويين، والنخب الفكرية، لا يُضعف فقط جودة القرار، بل يُفقد التعليم أحد أهم مصادر قوته: ارتباطه بالمجتمع الذي يخدمه. والتعليم الذي يُدار من أعلى بمعايير تقنية مجردة، يصبح أقل قدرة على تمثيل الخصوصية الثقافية الوطنية.
من منظور استراتيجي، لا يتمثل الخطر الأكبر في فشل فوري أو نتائج سلبية سريعة، بل في تغير تدريجي في وظيفة التعليم: من مساحة لصناعة المواطن الواعي، إلى منظومة لإنتاج «موارد بشرية» قابلة للتدوير في سوق متقلب. وهذا التحول، إن لم يُضبط بعناية، قد يُضعف أحد أهم عناصر الاستقرار الوطني على المدى البعيد.
إن النقاش المطلوب اليوم ليس نقاشًا أيديولوجيًا بين دعاة التحديث وحماة الهوية، بل حوار عقلاني حول كيفية تحقيق توازن مستدام بين متطلبات الاقتصاد وحاجات المجتمع. فالتحديث الحقيقي لا يكون باستنساخ نماذج جاهزة، ولا بإخضاع التعليم لمنطق السوق وحده، بل بصياغة نموذج وطني يستجيب للتحديات العالمية دون أن يفقد جذوره.
من هنا، فإن اعتماد مشروع القانون بصيغته الحالية، دون حوار وطني موسّع ومراجعة فلسفية عميقة، قد يشكل مخاطرة غير محسوبة في ملف لا يحتمل التجريب. فالتعليم استثمار طويل الأمد، وأخطاؤه لا تُقاس فورًا، لكنها حين تظهر تكون كلفتها باهظة، ومعالجتها معقدة.
إن المصلحة الوطنية تقتضي التريث، وتوسيع دائرة النقاش، وإعادة ضبط فلسفة القانون بما يضمن توازنًا حقيقيًا بين الكفاءة الاقتصادية، والبعد الإنساني، والهوية الوطنية. فمستقبل الأردن لا يُبنى فقط بمهارات قابلة للتوظيف، بل بمواطنين يمتلكون وعيًا نقديًا، وانتماءً راسخًا، وقدرة على المشاركة في بناء دولتهم بثقة ومسؤولية.