الأخبار

د. خالد العاص : تعديلات قانون الضمان الاجتماعي:إصلاح هيكلي أم إعادة ضبط اجتماعي؟ .

د. خالد العاص :  تعديلات قانون الضمان الاجتماعي:إصلاح هيكلي أم إعادة ضبط اجتماعي؟ .
أخبارنا :  

لا يمكن قراءة التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي باعتبارها مجرد مراجعة تقنية لشروط التقاعد، بل بوصفها خطوة تعكس تحوّلًا في فلسفة الدولة الاجتماعية في الأردن. فحين يصبح التقاعد الوجوبي هو القاعدة، والتقاعد المبكر استثناءً مشروطًا، فإن الأمر يتجاوز الحسابات الاكتوارية إلى إعادة تعريف العلاقة بين العمل والزمن والحق الاجتماعي.

رفع عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكًا، واشتراط 240 اشتراكًا للتقاعد الوجوبي اعتبارًا من عام 2028، إلى جانب الرفع التدريجي لسن الشيخوخة، يشير إلى انتقال واضح إلى نموذج يركّز على الاستدامة المالية طويلة الأمد. هذه المقاربة تعكس إدراكًا رسميًا بأن النظام التأميني، بصيغته السابقة، لم يعد منسجمًا مع التحولات الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر وتراجع نسب المشاركة في سوق العمل.

لكن جوهر المسألة لا يكمن فقط في الأرقام. فرفع سن التقاعد في سياق يعاني فيه الاقتصاد من بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، يفتح نقاشًا أكثر تعقيدًا: هل يؤدي إبقاء العاملين لفترات أطول في سوق العمل إلى تقليص فرص الداخلين الجدد؟ أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببنية الاقتصاد ذاته لا بديناميكيات التقاعد؟ هنا يتداخل الاجتماعي بالاقتصادي، ويغدو الإصلاح التأميني جزءًا من معادلة تنموية أشمل.

في المقابل، تحمل التعديلات بُعدًا اجتماعيًا واضحًا عبر رفع الحد الأدنى لبعض الرواتب التقاعدية إلى 200 دينار وتوسيع مظلة الشمول. هذه الخطوة تعكس محاولة لإعادة التوازن داخل النظام نفسه، بحيث لا يتحول من أداة حماية إلى مجرد آلية مالية. فالضمان الاجتماعي، في فلسفته الأصلية، ليس صندوق ادخار فردي، بل مؤسسة تضامن بين الأجيال، حيث يمول العاملون اليوم حقوق متقاعدي الأمس، على أمل أن تموَّل حقوقهم مستقبلًا بالآلية ذاتها.

أما النص على تعزيز استقلالية المؤسسة وفق نموذج قريب من استقلالية البنك المركزي، فيحمل دلالة سياسية مهمة. فهو يشير إلى رغبة في تحصين القرار التأميني والاستثماري من الاعتبارات الظرفية والضغوط قصيرة الأمد، وإخضاعه لمنطق مهني قائم على الدراسات الاكتوارية وإدارة المخاطر.

في المحصلة، تكشف التعديلات عن لحظة إعادة توازن دقيقة بين مطلبين: حماية الحقوق المكتسبة من جهة، وضمان استدامتها من جهة أخرى. غير أن الاختبار الحقيقي لن يكون في إقرار النصوص، بل في إدارة المرحلة الانتقالية، وفي قدرة الدولة على بناء سردية إصلاحية مقنعة للرأي العام؛ فالضمان الاجتماعي ليس ملفًا ماليًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ويبقى السؤال الأعمق: هل تمثل هذه التعديلات بداية تحديث مستدام لمنظومة الحماية الاجتماعية، أم أنها خطوة اضطرارية تفرضها الضغوط المالية؟ الإجابة لن تتحدد في نص القانون، بل في نتائجه على أرض الواقع خلال السنوات القادمة.

مواضيع قد تهمك