الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : في فلسفة الصيام والنزعة نحو التفرّد

د. خالد الحريرات البطوش : في فلسفة الصيام والنزعة نحو التفرّد
أخبارنا :  

بين صورة الملائكة في الذهن وحقيقة باقي الكائنات على الارض يتنازع الانسان شد وجذب، فمن جهة يرزخ الانسان تحت وطأة الغرائز المغروسة فيه وضرورة اشباعها، ولكن بالمقابل تختلج في نفسه نزعة طاغية منبعها قناعة راسخة بانه مختلف عن باقي الكائنات الحيّة، وان ما يجمعه بها من حاجة للطعام والشراب وشهوة للتزاوج ما هو الا مساحة صغيرة يلتقيان فيها بحكم التكوين الجسدي، ثم يفترقان بعد ذلك على أطرافها ايّما افتراق، وان الانسان حينما يغادر تلك المنطقة المشتركة مع المخلوقات المجبولة على الشهوة انما يلج مساحة أخرى تجمعه بكائنات أكثر سموا لطالما شغلت تفكيره وصبت اليها روحه.

ادرج الانسان كل ما يفترق به عن الحيوانات في تصنيفات سامية كالمشاعر والأخلاق والتدين، ثم وضع كل من يتحلى بها في مصاف كائناتي مختلف يثبت له صدق قناعته، ويؤكد له انه مختلف عن تلك المخلوقات ليس فقط في المظهر وانما في الجوهر، لكن قناعة الانسان بذاتيته المتفردة عن غيره من الكائنات لم تقف عند حد المفهوم الذهني، وانما تجاوزته الى اختبار ممارسة تلك القناعة في السلوك، وهنا يمكن فهم كثير من التفاصيل، منها تطور نمط الغذاء عند الانسان، وتهذيب الاتصال الجنسي ومأسسته على نحو مختلف تماما عمّا هو سائد لدى باقي الكائنات.

في المرحلة المبكرة من التطور تنامى الوعي ليشكل أحد أبرز سماتها، وقد رافق ذلك انتقال الانسان بالطعام والشراب من مجرد حاجة بيولوجية للعيش الى لذة للتذوق ونمط للرفاه، وبالتوازي اجرى الانسان تغييرا بنيويا على وظيفة الاتصال الجنسي لينتقل به من ضرورة للتكاثر كما هو عند باقي الكائنات الى نشوة ومتعة مرتبطة بحالة الوعي وضرورة اساسية لتكوين البناء الاجتماعي.

ومع تقدم الوعي الإنساني وظهور المعتقدات، ثم مع نزول الرسالات والأديان السماوية ظهرت الغرائز والشهوات كبوابة للشرور ومدخلا للانحراف، واقتضت بذلك تنظيما صارما على المستوى الاجتماعي والروحي، وعند هذا المستوى دخلت مقاومتها مرحلة جديدة، لم تكتف بالإيمان كإعتقاد، وانما اخضعتها الأديان للانضباط كطقس من طقوس العبادة باعتبار تلك المقاومة اختبارا حقيقيا لكل من ينشد سكينة النفس واستكمال فروض العبادة، ولكنها ايضا لم تتجرد من الوظيفة النفعية، فالصيام يقدم تجربة حقيقية لمشاعر الفقراء والمحرومين من الطعام واختبار معاناة حرمانهم، من اجل ترسيخ قناعة الصائمين بضرورة مد يد العون والمساعدة لهولاء دون احراجهم او إمتهان كرامتهم في طلب الطعام.

في هذا السياق الروحي، غدا الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة عبادة مضبوطة بتوقيتات دقيقة يتقرب بها الانسان الى الله، ويحقق من خلالها رقيا روحيا يتحرر به من سطوة الغرائز والشهوات، ويسمو بذات مقدار ابتعاده عنها ليدرك حالة من نقاء النفس وصفاء الروح، ويشعر مع الفقراء والمعوزين، لكن مجرد الامتناع عن شهوة البطن والفرج لا يكفي للوصول الى هذا المستوى من السمو، فهذا التسامي يتطلب إدراك عميق للمعنى الغائر في هذه الممارسة، كما يجب ان يرافقها تخفف من المشاعر الدونية من حقد وغلّ وكراهية للاخرين او تعالٍ على المحتاجين، عندها يغدو الصيام ليس عبئا نرغب في الخلاص من اثقاله في نهاية النهار، وانما بهجة نحرص على دوامها، وغنيمة يكتنز بها يوم الصائم تزدحم فيها المكاسب وتتدرج من نشوة القدرة على تحدي النفس والشعور مع المحتاجين الى مستوى حالة من التجلي الروحي يشعر فيها الصائم بالرضا بعد اختبار حقيقي للزهد في الملذات في الدنيا وظفر بالاجر والثواب في الاخرة.

مواضيع قد تهمك