الأخبار

محمد صابرين : الطريق إلى الله

محمد صابرين : الطريق إلى الله
أخبارنا :  

في أزمنة الخوف يبحث المرء عن مصدر للأمان، وفي أوقات الصراعات والحروب التي لا نهاية لها يشتكي الناس من الظلم، وتطاردهم صور الضحايا، يؤرقهم القتل الهمجي، وفي «زمن اللايقين»، يبحث الناس عن الطريق إلى المعنى.

وبينما العلم والتكنولوجيا وأدوات عدة لا تزال غير قادرة على أن تفسر عظمة الكون وروعة الخلق، وأسرار هذا المخلوق الحائر والمحير، وهو الإنسان، فإن قصة أن الأمر يبدأ وينتهي بقصة الانفجار العظيم، وأن ذلك الخلق جاء من العدم إلى العدم يمضي هي أكبر متاهة، ربما استمالت بعض العقول، ولكن الأرواح قلقة، بل عطشى، وبحاجة ملحة لمن يملأ خواء الأرواح المعذبة.

وهنا إذا كان الأمر بدأ من العدم، وإلى العدم يعود، فإن ذلك يعني أنه ليس بأيدينا سوى الحاضر كي نعيشه، وليس هناك مستقبل أو خلود. إذن تصبح الحياة لحظة عبثية، وتتوالد ثقافة عدمية، وتصرخ الأصوات العاقلة محذرة من «موت الغرب»، ولعمري أن أخطر ما تصدره الآن «الحضارة الغربية» هي ثقافة «تدمير الذات»، وفي مقابل التوحش القادم من غروب الغرب، فقد استدعى ذلك أن يشهد الشرق صراعات بين الاعتدال والتطرف، والأخير أبرز نسخة مقابلة من تدمير الذات، وهي الإرهاب، وإدارة التوحش، وثقافة فقدان الأمل.

وأحسب أن هذا كله يقودنا للبحث عن الطريق إلى الله. والله موجود دائمًا وأبدًا، ولكن نحن الذين تأخذنا الحياة في دروبها، وتقسو علينا، وتلهو بنا، وتصدمنا لنستيقظ بأننا ابتعدنا عن الطريق فضاع اليقين، وحل الخوف، وغاب المعنى، وزاد وجع الإحساس بالظلم والقهر، وخيمت ثقافة الاستهلاك، والوجبات السريعة، والأفكار المسطحة، وحتى الدين والإيمان أصبحنا نريده وجبة تيك أوي، وعندما نفرغ من منتج معين نبحث عن آخر، لابد من منتج جديد، وبات هناك ما يعرف بـ «إسلام السوق».

ويرى المفكر الفرنسي باتريك هايني في كتابه «إسلام السوق» أن هذا النمط الجديد من التدين نجح إلى حدٍّ ما في تلبية احتياجات روحية حقيقية لدى شرائح واسعة من المسلمين، خاصة داخل المدن الحديثة والطبقات الوسطى الصاعدة. فهو يقدم «إسلامًا عمليًا» يخفف القلق، ويمنح الفرد شعورًا بالمعنى والطمأنينة، والانضباط، ويعيد صياغة التدين بوصفه مصدرًا للثقة بالنفس والاستقرار، لا مجرد منظومة أحكام أو مشروع صدام سياسي.

وفي هذا السياق، يصبح التدين أقرب إلى تجربة شخصية يومية مرتبطة بتحسين الذات، والنجاح الاجتماعي، ويجد كثيرون فيه تعويضًا عن الفراغ الروحي الذي صنعته العولمة وثقافة الاستهلاك السريعة.

لكن هايني يحذر في المقابل من أن هذا الإشباع الروحي يأتي أحيانًا على حساب جوهر الروح الدينية.

فحين يخضع التدين لمنطق السوق، قد يتحول إلى هوية استهلاكية تُقاس بالمظهر، والرموز أكثر مما تُقاس بالتزكية الداخلية، والوعي الأخلاقي. كما يؤدي هذا التحول إلى تسطيح الخطاب الديني، وتحويله إلى «تحفيز» سهل وسريع، وإلى تقليص البعد الجماعي للإسلام لصالح الفردانية والنجاح الشخصي. ومن هنا تظهر المخاطر الكبرى: تفريغ الدين من رسالته الاجتماعية العميقة، وإضعاف قيم العدالة والتكافل، وتحويل الإيمان تدريجيًا إلى مجرد أسلوب حياة قابل للتسويق، يندمج مع النظام الاقتصادي بدل أن يقدّم له نقدًا أخلاقيًا أو بديلًا حضاريًا.

وفي الآونة الأخيرة تتسلل من الغرب الثقافة العدمية إلى وعي الأجيال الجديدة في كثير من المجتمعات الإسلامية عبر وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، فتُضعف الإيمان بالمعنى، وتُحطم فكرة الغاية من الحياة. وهي ثقافة تقوم على السخرية من القيم، واعتبار الدين والأخلاق مجرد أوهام اجتماعية، مما يؤدي إلى فراغ روحي ونفسي يدفع الشباب نحو اللامبالاة أو الهروب عبر الإدمان والاستهلاك والترفيه المفرط. الأخطر أن العدمية لا تكتفي بنقد الواقع، بل تُقنع الفرد بأن الإصلاح مستحيل، وأن المستقبل بلا جدوى، فتخلق جيلاً فاقدًا للحافز، والالتزام، والانتماء. وفي مجتمعات تقوم هويتها على الإيمان والرسالة، تتحول العدمية إلى تهديد حضاري حقيقي، لأنها تنزع من الإنسان ما يجعله قادرًا على البناء: الأمل، والمسؤولية، والإيمان بأن للحياة معنى وهدفًا.

ويبقى أن ندرك أن السعادة الحقيقية هي في «الاعتدال»، وأن ثقافة الاستهلاك، وما يعرف بـ «eating disorder»، أحيانًا نراه في النهم المرضي لاستهلاك الأفكار. وأن الإيمان لا يتحقق بوجبة إيمانية معلبة، وأن الإحساس بالأمن هو عندما نعيد الرحلة وبدون وسيط أو وسائل مساعدة في الطريق إلى الله.

مواضيع قد تهمك