لما جمال العبسة : تعديلات قانون الضمان بين الاستدامة والحماية الاجتماعية
لا يختلف اثنان على أن مؤسسة الضمان الاجتماعي تمثل ركيزة أساسية للأمن الاجتماعي والاقتصادي في المملكة، ومع التعديلات الجديدة لسنة 2026 والتي أقرها مجلس الوزراء أمس الأول دخلنا مرحلة جديدة من إعادة هيكلة العلاقة بين العامل صاحب العمل، والمؤسسة، لكن هذه التعديلات، وإن حملت أهدافاً تتعلق بالاستدامة المالية وتوسيع الشمول، أثارت بعض التساؤلات.
الهدف من تعديلات الأخيرة على القانون وبحسب ما أعلنت المؤسسة هو مواجهة التحديات المالية والديموغرافية المتوقعة والتي تفرض إعادة النظر فيه، لتأتي هذه التعديلات لتوازن بين مطلب الاستدامة من جهة، وضغوط الواقع الاجتماعي من جهة أخرى.
أحد أبرز ملامح التعديلات هو الحد من التقاعد المبكر، الذي كان لعقود خياراً شائعاً لكنه مكلف مالياً، ورفع عدد الاشتراكات المطلوبة وربط الاستحقاق بسن أعلى، كل هذه الشروط تعكس إدراكاً بأن الصندوق لم يعد قادراً على تحمل نزيف الموارد الذي ازداد مع ارتفاع عدد المتقاعدين مبكراً، في المقابل توسعت المؤسسة لتشمل فئات جديدة من العاملين في الاقتصاد غير المنظم، وهو توجه يعكس وعياً بضرورة إدماج الجميع في منظومة الحماية، بما يرفع من عدالة النظام ويقلل الفجوات الاجتماعية، كما أن منح المؤسسة استقلالية أكبر في الإدارة على غرار البنك المركزي يفتح الباب أمام حوكمة أكثر شفافية.
هذه الخطوات وغيرها تحمل بلا شك إيجابيات واضحة، فهي تعزز الاستدامة المالية وتتماشى مع الاتجاهات العالمية التي تواجه شيخوخة السكان، غير أن هذه الإيجابيات لا تخلو من ثمن اجتماعي، فرفع سن التقاعد وعدد الاشتراكات قد يُنظر إليه كإطالة زمن العمل.
إن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026، تمثل خطوة جريئة نحو إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، لكنها ليست نهاية الطريق بل بداية مرحلة جديدة تتطلب سياسات مرافقة، مثل تحسين ظروف العمل، ورفع الأجور، وتوفير بدائل واقعية للفئات التي تتضرر من إلغاء التقاعد المبكر، ولأن الإصلاح المالي ضروري، ونجاحه مرهون بقدرته على أن يوازن بين أرقام الصندوق واحتياجات المواطن.