د. رعد محمود التل : هل المشكلة في الأسعار أم في الإنفاق… أم في كليهما؟
في كل عام يتكرر السؤال نفسه لماذا ترتفع الأسعار علينا باستمرار؟ وهل ما نعيشه هو موجة غلاء عابرة أم مسار طويل يتغير فيه مستوى المعيشة بشكل تدريجي. من المهم ولفهم الصورة بوضوح، علينا أولًا أن نميز بين الشعور الفردي بالغلاء وبين المفهوم الاقتصادي للتضخم.
التضخم ببساطة هو الارتفاع العام والمستمر في أسعار السلع والخدمات. هذا الارتفاع لا يحدث من فراغ. جزء منه مرتبط بعوامل خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا أو اضطراب سلاسل التوريد أو تغيرات أسعار الغذاء في الأسواق الدولية. وجزء آخر يرتبط بعوامل داخلية مثل الضرائب، كلف النقل، ضعف المنافسة في بعض القطاعات، أو ارتفاع الطلب مقارنة بالعرض.
في الأردن، يتم قياس التضخم من خلال ما يعرف بسلة السلع الاستهلاكية التي تعتمدها دائرة الإحصاءات العامة. هذه السلة تضم مجموعة من السلع والخدمات التي تمثل إنفاق الأسرة الأردنية، مثل الغذاء، السكن، النقل، التعليم، الصحة، والمياه والكهرباء. عندما يرتفع متوسط أسعار هذه السلة، يُعلن عن ارتفاع في معدل التضخم. لكن هذه السلة تعكس المتوسط العام لا الواقع الفردي لكل أسرة فكل، أسرة لها نمط إنفاق مختلف. أسرة تنفق نسبة كبيرة من دخلها على التعليم ستشعر بالتضخم أكثر إذا ارتفعت الرسوم المدرسية. وأخرى تعتمد على المواصلات العامة قد تتأثر أكثر بارتفاع أجور النقل. لذلك قد يسمع المواطن رقم التضخم في الأخبار، لكنه لا يشعر به بنفس الدرجة، أو يشعر بأنه أعلى مما يُعلن.
الاختبار الحقيقي لأي أسرة هو مقارنة المصروف الشهري اليوم بما كان قبل عام لنفس الكميات ونفس نمط الحياة. إذا كانت الفاتورة ترتفع دون تحسن في مستوى المعيشة، فهذا تضخم فعلي يمس الأسرة مباشرة. أمام هذا الواقع، تصبح إدارة الدخل مسألة حاسمة، وبناء ميزانية شهرية ضرورة. لكن كيف نبدأ؟ البداية تكون بحصر الدخل بدقة، ثم تسجيل كل المصاريف لمدة شهر على الأقل. بعدها يتم تقسيم الإنفاق إلى ضروري وغير ضروري. الضروري يشمل السكن، الغذاء الأساسي، الدواء، التعليم، والمواصلات. أما غير الضروري فيشمل الكماليات، المشتريات بدافع التقليد أو العاطفة، والاشتراكات غير المستخدمة.
أحد الأخطاء المتكررة في سلوك الإنفاق لدى كثير من الأسر هو الصرف دون تخطيط، والاعتماد على البطاقات الائتمانية دون حساب، والإنفاق تحت ضغط اجتماعي. المناسبات والأفراح والمظاهر تستنزف أحيانًا مبالغ تفوق القدرة الحقيقية للأسرة، ويتم اللجوء إلى الاقتراض للحفاظ على صورة اجتماعية لا تعكس الواقع المالي.
العبارة الشائعة "لا أستطيع الادخار لأن الراتب لا يكفي" قد تكون صحيحة في حالات الدخل المتدني جدًا، لكنها في كثير من الأحيان تعكس غياب التخطيط أكثر مما تعكس ضيق الدخل وحده. الادخار ليس رقمًا كبيرًا بالضرورة. هو عادة مالية. حتى مبلغ بسيط شهريًا يمكن أن يصنع فرقًا على المدى الطويل إذا تم الالتزام به قبل بدء الصرف وليس بعده. أما عن حماية المدخرات من التضخم، فترك الأموال راكدة لفترات طويلة يعني تآكل قيمتها الشرائية. لذلك من الأفضل توزيعها في أدوات آمنة تحقق عائدًا يغطي جزءًا من التضخم، مع تجنب المخاطر العالية لمن لا يملك خبرة استثمارية.
ويبقى سؤال يتكرر كل عام هل ترتفع الأسعار فعلًا في رمضان أم أن الأمر مبالغة؟ في الواقع، يزداد الطلب على المواد الغذائية في هذا الشهر، إذ ترتفع معدلات الاستهلاك الغذائي بنسبة تصل إلى 25-30% مقارنة ببقية أشهر السنة، ما قد يدفع بعض الأسعار للارتفاع. لكن ليس كل ارتفاع مبرره نقص حقيقي. أحيانًا يكون السبب سلوكًا استهلاكيًا مبالغًا فيه. يمكن للمواطن التأكد من خلال متابعة الأسعار ومقارنتها قبل رمضان وخلاله، بدل الاعتماد على الانطباعات العامة.
حماية الأسرة من موجات الغلاء تبدأ
من الداخل. قائمة مشتريات واضحة، تجنب الشراء بدافع العروض، مقارنة
الأسعار، والالتزام بميزانية محددة. هذه إجراءات بسيطة لكنها فعالة.
فمواجهة التضخم ليست مسؤولية الحكومة وحدها ولا الفرد وحده. هي معادلة
مشتركة بين سياسات اقتصادية تضمن استقرار الأسواق وتعزز المنافسة، وبين
ثقافة مالية أسرية تقوم على التخطيط والانضباط. التحدي الحقيقي ليس فقط في
ارتفاع الأسعار، بل في قدرتنا على التكيف بوعي ومسؤولية مع واقع اقتصادي
يتغير باستمرار. ــ الراي