الأخبار

حسن الدعجة : الأردن والاتحاد الأوروبي: شراكة إستراتيجية تتجدد

حسن الدعجة : الأردن والاتحاد الأوروبي: شراكة إستراتيجية تتجدد
أخبارنا :  

شكّلت القمة الأردنية الأوروبية التي عُقدت في عمّان الشهر الماضي محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الأردن والاتحاد الأوروبي، ليس فقط من حيث مضامينها السياسية والاقتصادية، بل من حيث رسائلها الإستراتيجية العميقة في لحظة إقليمية ودولية تتسم باضطراب غير مسبوق، فقد جاءت القمة لتؤكد أن الشراكة بين الجانبين لم تعد مجرد تعاون تنموي تقليدي، بل ارتقت إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة القائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر استقرارا واستدامة.

لقد نجح جلالة الملك عبدالله الثاني، بحكمته المعهودة ودبلوماسيته الهادئة، في تحويل عمّان إلى منصة حوار متقدم بين ضفتي المتوسط. جلالة الملك عبدالله الثاني عقد قمة الأردن والاتحاد الأوروبي الأولى، مع رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد.
وأشار جلالة الملك إلى أن هذه القمة تمثل فصلا مهما في الشراكة التاريخية بين الأردن والاتحاد الأوروبي، وتعزز العلاقات المبنية على الالتزام بالعمل من أجل الاستقرار الإقليمي والازدهار. لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كانت تعبيرا عن مكانة الأردن كشريك موثوق، يتمتع برؤية واضحة في ملفات الطاقة والمناخ والأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية. وقد أظهر جلالته خلال القمة إدراكا عميقا للتحولات العالمية، خصوصا في ظل السباق الدولي نحو فك الارتباط بالوقود الأحفوري وتعزيز التحول الأخضر، مؤكدا أن الأردن ليس متلقيا لهذه التحولات بل فاعل فيها.
البيان المشترك الصادر عن القمة عكس هذا الطموح المشترك، حيث جرى التأكيد على تسريع الانتقال الأخضر، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين منخفض الكربون وكفاءة الطاقة وتخزين الكهرباء وتحديث الشبكات والنقل المستدام والزراعة الذكية مناخيا. وفي هذا السياق، جاء انضمام الأردن إلى منتدى التحول العالمي للطاقة ليعزز موقعه الإقليمي كنموذج لدولة محدودة الموارد استطاعت أن تعمل على رفع مساهمة الطاقة المتجددة في خليطها الكهربائي مستقبلا إلى نحو 30 %، وهي نسبة متقدمة إقليميا وعالميا.
ولا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن التحديات البنيوية التي يواجهها الأردن، وفي مقدمتها الفقر المائي وارتفاع كلف الطاقة والضغوط الاقتصادية. فالعلاقة بين أمن الطاقة وأمن المياه في الحالة الأردنية علاقة عضوية، إذ إن قطاع المياه يعد من أكبر مستهلكي الكهرباء. ومن هنا، فإن أي تقدم في مجال الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة ينعكس مباشرة على استدامة قطاع المياه، بما في ذلك المشاريع الإستراتيجية الكبرى كمشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه. وقد أبدى الاتحاد الأوروبي دعما واضحا لهذه الجهود، سواء عبر التمويل الميسر أو نقل التكنولوجيا أو تطوير الأطر التنظيمية.
وفي هذا الإطار، لعب بيير كريستوف شاتزيسلافونيس (Pierre-Christophe Chatzisavas) سفير الاتحاد الأوروبي في عمّان دورا محوريا في تعميق جسور الثقة والتفاهم، حيث عمل على ترجمة التوجهات السياسية العليا إلى برامج تعاون عملية ومبادرات ملموسة على الأرض. فالدبلوماسية الأوروبية في الأردن لم تكتفِ بخطاب الدعم، بل انخرطت في حوار مستمر مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما عزز الطابع التشاركي للشراكة وأضفى عليها بعدا مؤسسيا مستداما.
ومن أبرز مخرجات القمة الاتفاق على عقد مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في 21 نيسان من هذا العام في عمّان، تحت رعاية جلالة الملك وبحضور رئيسة المفوضية الأوروبية. ويعكس هذا المؤتمر نقلة نوعية من مستوى التفاهمات السياسية إلى مستوى التنفيذ الاقتصادي. فالمؤتمر يهدف إلى جذب استثمارات أوروبية نوعية في قطاعات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الخضراء، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، إضافة إلى تعزيز اندماج المنتجات الأردنية في الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل المتغيرات المرتبطة بآليات تعديل حدود الكربون.
التحضير المكثف الذي تقوم به الحكومة الأردنية من خلال جولات وزارية ولقاءات مع مؤسسات مالية وشركات أوروبية يؤكد جدية التوجه نحو تحويل الشراكة إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ. كما أن انعقاد المؤتمر في عمّان يحمل رسالة ثقة واضحة بالبيئة الاستثمارية الأردنية، وبقدرة المملكة على أن تكون بوابة آمنة ومستقرة للاستثمار في منطقة تعاني من اضطرابات مزمنة.
إن ما تحقق في قمة عمّان يتجاوز البعد الاقتصادي ليؤسس لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والإستراتيجي. فالأردن، بقيادة جلالة الملك، يثبت مرة أخرى أنه صوت الاعتدال والعقلانية في الإقليم، وأنه قادر على بناء شراكات متوازنة مع قوى دولية كبرى، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وفي المقابل، يؤكد الاتحاد الأوروبي أنه يرى في الأردن شريكا طويل الأمد، لا مجرد متلقٍ للمساعدات.
إن مؤتمر الحادي والعشرين من نيسان المقبل لا يمكن النظر إليه كفعالية بروتوكولية عابرة أو محطة تقليدية ضمن أجندة العلاقات الثنائية، بل هو تتويج طبيعي لمسار طويل من بناء الثقة المتبادلة والعمل الدؤوب والتراكم الإيجابي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية بين الأردن والاتحاد الأوروبي. فهذا المؤتمر يجسد انتقال الشراكة من مرحلة الحوار والتشاور إلى مرحلة التنفيذ العملي والاستثمار المباشر، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن العلاقة بين الجانبين تدخل طورا أكثر عمقا ونضجا وإستراتيجية.
وفي ظل رؤية ملكية بعيدة المدى يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، ودبلوماسية أوروبية فاعلة تدرك أهمية الأردن كركيزة استقرار إقليمي، إلى جانب إرادة حكومية جادة في ترجمة التفاهمات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، تبدو هذه الشراكة مقبلة على فصل جديد عنوانه الاستثمار في المستقبل. إنه فصل يقوم على تحويل التحديات المشتركة، من الطاقة والمياه إلى المناخ وفرص العمل، إلى فرص تنموية مستدامة تعزز تنافسية الاقتصاد الأردني، وتخدم مصالح الطرفين، وتسهم في ترسيخ الاستقرار والازدهار في المنطقة بأسرها.

* أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال

ــ الغد

مواضيع قد تهمك