الأخبار

د. كميل الريحاني : التخطيط والعاصمة عمّان..

د. كميل الريحاني : التخطيط والعاصمة عمّان..
أخبارنا :  

تعيش عمّان في السنوات الأخيرة تحوّلاتٍ عمرانية متسارعة، كان يُفترض أن تقود إلى مدينةٍ أكثر تنظيماً وجمالاً وقدرةً على استيعاب النمو السكاني والاقتصادي. غير أنّ الواقع يكشف عن ملامح مختلفة، إذ بات التخطيط يشكّل عبئاً متزايداً على البنية التحتية، ويهدّد هوية المدينة البصرية، ويخلق أزماتٍ مرورية خانقة تمسّ حياة المواطنين اليومية.

تمدّد إسمنتي على حساب الإنسان

لم يعد المشهد العمراني في عمّان محكوماً برؤيةٍ متكاملة توازن بين البناء والفراغ، بين الجمال والوظيفة، بل أصبح في كثيرٍ من المناطق سباقاً نحو الارتفاع والكثافة الإسمنتية.

هذا التمدّد غير المنضبط حوّل التلال التي عُرفت بانفتاحها وهدوئها إلى كتلٍ متلاصقة من الحجر والخرسانة، ما أضعف جودة الحياة الحضرية، وقلّص المساحات الخضراء، وفرض ضغطاً هائلاً على الطرق والخدمات.

أزمة مرورية تتفاقم يوماً بعد يوم

من أبرز نتائج التخطيط غير المدروس تفاقم الازدحام المروري، حيث لم تعد الشوارع قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المركبات.

فالاختناقات اليومية لم تعد حالة طارئة، بل واقعاً ثابتاً يستهلك وقت الناس وجهدهم، ويؤثر في الإنتاجية والبيئة والصحة النفسية. ويرتبط ذلك بغياب حلول نقلٍ عام فعّالة، إلى جانب التوسع العمراني الذي سبق قدرة البنية التحتية على التكيّف معه.

الاعتداء على الأرصفة تغييب لحقّ المشاة

تمثّل الأرصفة أحد أهم عناصر المدينة الإنسانية، فهي المساحة الآمنة التي خُلقت للمشاة. إلا أنّ كثيراً من أرصفة عمّان تعرّضت للاعتداء عبر تحويلها إلى أماكن لعرض البضائع أو إشغالها بعناصر لا تخدم وظيفتها الأصلية، ما أجبر المشاة على السير في الشوارع المزدحمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر وفوضى بصرية.

إنّ فقدان الرصيف لوظيفته لا يعني فقط خللاً تنظيمياً، بل يعكس تراجعاً في مفهوم المدينة الصديقة للإنسان.

تشوّه بصري وغياب الهوية الحضرية

تتميّز عمّان تاريخياً بطابعٍ معماريّ متدرّج يحترم تضاريسها الطبيعية، غير أنّ البناء غير المنسجم واللوحات العشوائية والتعديات المختلفة أضعفت هذا الطابع، وخلقت مشهداً بصرياً متنافراً يفتقر إلى الجمالية والتنظيم.

والمدن لا تُقاس فقط بعدد أبنيتها، بل بقدرتها على الحفاظ على روحها وهويتها التي تمنح سكانها الإحساس بالانتماء.

نحو رؤية حضرية مسؤولة

إنّ معالجة هذه التحديات لا تتحقق بالحلول الجزئية، بل تتطلّب رؤية تخطيطية شاملة تقوم على:

- إعادة الاعتبار للتخطيط الحضري المستدام قبل التوسع العمراني.

- تطوير منظومة نقلٍ عام حديثة تقلّل الاعتماد على المركبات الخاصة.

- حماية الأرصفة والمساحات العامة بوصفها حقاً أصيلاً للمشاة.

- فرض معايير جمالية وتنظيمية تحافظ على هوية عمّان البصرية.

فالمشكلة ليست في نموّ عمّان، فالنموّ دليل حياة، لكن الخطر يكمن في نموّ بلا تخطيط يستهلك المدينة بدل أن يطوّرها.

وحتى تبقى عمّان مدينةً للإنسان قبل الإسمنت، وجب أن تتحوّل مسؤولية التخطيط الحضري إلى أولويةٍ وطنيةٍ تُشارك فيها المؤسسات والمجتمع معاً، حفاظاً على عاصمةٍ تستحق أن تُرى كما نحلم بها: منظّمة، جميلة، وإنسانية الملامح. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك