صالح الشراب العبادي : ميونخ .. حين تستيقظ أوروبا، فهل يسمع العرب جرس الإنذار؟
في القاعة الكبرى لـ Munich Security Conference بدا المشهد هذا العام مختلفًا ، لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي كما في السنوات الماضية، يعيد تكرار العناوين التقليدية عن التحالف الأطلسي و وحدة الغرب ، بل بدا كأن أوروبا تعلن، ولو بلهجة حذرة ، أن زمن الاتكال المريح قد انقضى، وأن عليها أن تعيد تعريف أمنها ودورها وموقعها في معادلة القوة الدولية.
خطاب وزير الخارجية الأمريكي وبعد ان شعرت امريكا ان العلاقة بينها وبين اوروبا بدأت تنهار ، حمل خطابه طمأنة واضحة: الولايات المتحدة تريد غربًا قويًا، متماسكًا، قادرًا على الردع ، لكن الطمأنة لم تكن بلا شروط ، فالقوة المطلوبة هي قوة ضمن الإطار الاستراتيجي الأمريكي، وضمن أولويات واشنطن في مواجهة خصومها ، المعادلة هنا دقيقة: دعمٌ للشريك الأوروبي، لكن ضمن هندسة قيادة لا تزال أمريكية في جوهرها.
في المقابل، كانت رسائل رئيسة المفوضية الأوروبية وأكثر من زعيم أوروبي واضحة وخاصة بريطانيا : أوروبا مطالبة بتعزيز صناعتها الدفاعية، وتقليل فجواتها التكنولوجية، وبناء قدرات ذاتية في مجالات الطاقة والتسليح والذكاء الاصطناعي ، الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي ، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية فرضتها الحرب في أوكرانيا، واضطراب سلاسل الإمداد، وتبدّل أولويات البيت الأبيض.
غير أن ما يجري في ميونخ ليس انفصالًا أوروبيًا عن أمريكا، بل إعادة تموضع داخل التحالف ، أوروبا تريد شراكة أكثر توازنًا، لا قطيعة ، تريد أن تكون لاعبًا لا مجرد ساحة نفوذ ، وهذه النقطة بالذات هي التي تستحق أن نتوقف عندها عربيًا.
فالسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت أوروبا باقتصادها العملاق، ومؤسساتها العريقة، وتاريخها الصناعي ، تشعر بالحاجة إلى إعادة بناء استقلالها النسبي، فماذا عن الشرق الأوسط؟ هل كُتب على منطقتنا أن تبقى ساحة اختبار للتوازنات الدولية، وسوقًا مفتوحة للسلاح، ومسرحًا لحروب الوكالة؟
الحقيقة المؤلمة أن معظم دول المنطقة ما تزال تعاني من تبعية أمنية وتقنية عميقة، ومن انقسامات سياسية تُضعف قدرتها على صياغة مشروع إقليمي جامع ، الاعتماد على الخارج في التسليح، وفي التكنولوجيا المتقدمة، بل وحتى في الوساطة السياسية، يجعل الحديث عن انتفاضة ضد التسلط الغربي شعارًا عاطفيًا أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ.
لكن البديل ليس الاستسلام. البديل هو البناء ، أوروبا لم تبدأ من شعار «نريد أن نكون أقوياء»، بل من خطط صناعية وتمويل دفاعي مشترك وتشريعات لتعزيز السوق الداخلية ، الاستقلال لا يُنتزع بالخطب، بل يُبنى بالمؤسسات والاستثمار في الإنسان والمعرفة.
العالم العربي بحاجة إلى مشروع مشابه، ولو على مراحل: تكامل اقتصادي حقيقي لا شكلي، صناعات دفاعية وتقنية مشتركة، إصلاحات حوكمة تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتنويع في الشراكات الدولية يمنع الارتهان لطرف واحد ، دون ذلك، ستبقى المنطقة في موقع المتلقي لا المبادر، وفي موقع المتأثر لا المؤثر.
ميونخ هذا العام لم يكن مؤتمرًا أوروبيًا فحسب، بل رسالة عالمية: من لا يبني قوته بنفسه، تُبنى قوته بالنيابة عنه وغالبًا على حسابه .
وهنا .. هل تبقى الدول العربية متناحرة، تطحنها الفتن، ويتقن بعضها الحفر لبعض، كلٌّ منغلق على جهته، يظنّ أنه يحمي مصلحته الخاصة، بينما مصالحه ذاتها تتآكل تحت قدميه؟
إن أخطر ما يواجه هذه المنطقة ليس قوة الخارج، بل هشاشة الداخل. فالقوى الكبرى لا تخترق الجدران الصلبة، بل تنفذ من الشقوق ، وكلما اتسعت شقوق الانقسام العربي، تمددت فوقها خرائط الآخرين.
لم يعد الترف السياسي مسموحًا، ولا المناورات الصغيرة قادرة على حماية السلطة أو الحدود أو الاقتصادات ، زمن الاصطفافات الضيقة انتهى، لأن العالم يُعاد تشكيله على أساس الكتل الكبرى، لا الجزر المعزولة ، ومن يظن أنه يستطيع النجاة منفردًا، سيكتشف متأخرًا أن العاصفة لا تفرّق بين بيتٍ وآخر.
إن المصالح العربية لم تعد في خطر بسبب خصمٍ خارجي فحسب، بل بسبب غياب مشروع جامع يضع الأمن القومي فوق الحسابات الآنية، ويقدّم التكامل على التنافس، والرؤية الاستراتيجية على ردود الفعل.
فإما أن نكون كتلةً تُحسب حسابًا، أو ساحاتٍ يُحسب عليها.
وإما أن نصوغ مستقبلنا بأيدينا، أو يُصاغ لنا… دون أن يُستأذننا.