ابراهيم عبد المجيد القيسي : أموال الأردنيين
هذه عبارة تتردد على ألسنة الناس؛ كمقدمة مفتاحية للنضالات المنبثقة عن
أبسط بديهيات التفكير الوطني، يبدأ او يلجأ لها المتحدثون، حين تكون النية
معقودة لانتقاد الحكومة، واستفزاز الهمم والقرائح، للتشكيك بالحكومات
والمؤسسات المالية، لا سيما مؤسسة الضمان الإجتماعي، وذراعها الاستثمارية
«صندوق الضمان الاجتماعي»، وكل يوم تقريبا نجد مثل هذه التشكيكات والكلام
الذي لا أقرأه كثيرا، لأنني ومن خلال بعض العناوين، اتوقع باقي النص..
وأحفظه بسبب كثرة تكراره، ومن بين ما يتكرر هذه الأيام، سواليف «اقتراض
الحكومة من مؤسسة الضمان»، ويتم ذكر الرقم 10 ونص مليار، فيقول القائلون
الذين لا ينطقون عن وحي ومعلومة، بل عن هوى فقط: الحكومة سحبت أموال
الأردنيين ثم يتوغل المتحدثون بقصة الإنكم والأوتكم، ويحذرونا من أن سنوات
تفصلنا عن عجز مؤسسة الضمان الإجتماعي عن تغطية فاتورة الرواتب.
دعوني
أولا أقول بأن مؤسسة الضمان الاجتماعي وفي حال عجزت -لا قدر الله- عن دفع
الرواتب، فالقانون يلزم الحكومات بتغطيتها، فليس من صالح الحكومات ان تبلغ
هذا الحد من الفشل الاقتصادي.
أما عن ثانيا إلى مليون، فدعونا نتحدث عن
حقيقة لا نعرفها كلنا، وهي متعلقة بالسندات التي تطرحها الحكومة، ثم
يشتريها صندوق الضمان، وغيره، فهي سندات محمية، ولا يمكن لأي حكومة ان
تتوانى عن دفعها، او تقوم بتأجيل تاريخ الدفعات، فهذا مؤشر مالي دولي، يؤثر
على القدرة الإىتمانية للدولة، وتراقبه المؤسسات المالية العالمية، وليست
مؤسسات داخلية، فلا يمكن للحكومة أن تتأخر بدفع أقساط هذه السندات ولا
ارباحها، وتاريخ الحكومات يؤكد، أن أي حكومة تفعل المستحيل، ولا تؤخر دفعة،
لأنها لو فعلت، فسوف تتفاقم المشكلة بالنسبة لوضع الدولة الإئتماني، وهذا
يعني ان قيام الحكومات بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالسندات التي تطرحه
من خلال البنك المركزي، خط أحمر لا يجرؤ أي رئيس حكومة وماليته، على
تجاوزه.
الحقيقة الثانية التي تغيب عن المتحدثين المناضلين الوطنيين،
تتعلق بفهمهم لموضوع وطريقة قيام الضمان الاجتماعي بشراء هذه السندات، حيث
يتصور هؤلاء بأن الحكومة تصدر أمرا لصندوق الضمان، ليشتري سنداتها، ويجري
التسجيل «ع الدفتر»، بينما الذي يجري مختلف.
المعروف أنه ممنوع على
الحكومة أن تتاجر بالسندات، والذي يقوم بالمهمة هو البنك المركزي، حيث يعلن
عن طرح سندات بقيمة ما، من خلال إعلان او قل عطاء، يتم عرضه على كل
المؤسسات المالية، يعني كل البنوك، والمستثمرين الماليين، وصندوق الضمان
واحد من بين هؤلاء، فتتقدم كل جهة وتضع سعر فائدة، وبعد انتهاء مهلة تقديم
العروض، يقوم البنك المركزي بفتح العروض، ثم يوافق على أقل نسبة فائدة
مطروحة، فتبيع السندات لتلك الجهة، وإن لم تتمكن الجهة المالية ذات سعر
الفائدة الأقل من تحصيل السيولة الكافية، يقوم البنك المركزي ببيعها سندات
بقيمة نقودها، ثم ينتقل للمؤسسة المالية الاستثمارية التالية، حسب سعر
الفائدة، ويكمل بيع السندات لها، ويتقدم صندوق الضمان كغيره من البنوك،
ويرسو عليه العطاء حسب سعر الفائدة الذي طرحه، وبهذا المعنى يتمنى الصندوق
او أي بنك ان يشتري أي كمية من السندات التي تطرحها الحكومة، لأنه أكثر
استثمار ناجح ومضمون بالنسبة لها.
حين تتوفر سيولة في صندوق استثمار
أموال الضمان الاجتماعي، يبدأ بالبحث عن استثمارات، وفي حال لم يجد
استثمارات ذات ارباح مجزية او مناسبة، فإنه يودع الأموال في البنوك،
ويتقاضى فوائد عليها لا تتجاوز 5%، بينما لو قام الصندوق بشراء سندات
حكومية، فإن أقل فائدة يحصل عليها هي 6%، فأيهما أفضل للاستثمار؟ أعني ان
يضع الصندوق نقوده في بنك، مقابل 5% من الأرباح السنوية، أم يشتري بها
سندات مضمونة الدفع والسداد وبأرباح 6%؟
يكفي القول بأن صندوق استثمار
اموال الضمان الاجتماعي انطلق عام 2003، وخلال هذه الفترة حقق ارباحا
قيمتها 18 مليارا، وخلال تاريخه، ومنذ انطلاقه لم تبلغ أرباحه ما بلغته
العام الماضي، فالصندوق ولأول مرة حقق ارباحا قيمتها 2 مليار و200 مليون
دينار خلال هذا العام، نصفها من عوائد السندات الحكومية..
ومن يريد الكلام عن أموال الأردنيين، ويخشى عليها من الحكومات، فعليه اولا أن يفهم هذه الحقائق. ــ الدستور