الأخبار

فراس النعسان : ذكاء المدرسة الغائب

فراس النعسان  : ذكاء المدرسة الغائب
أخبارنا :  

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الكبرى، لم يعد التعليم مجرد خدمة عامة أو بندٍ في الموازنات الحكومية، بل أصبح العمود الفقري لأي مشروع وطني يسعى إلى الاستقرار والتقدم. وفي الأردن، حيث يمتلك التعليم تاريخًا عريقًا ورصيدًا بشريًا غنيًا، تبرز الحاجة اليوم إلى قفزة نوعية تنقل المنظومة التعليمية من منطق التلقين إلى أفق التعليم الذكي، القادر على مواكبة عالم تحكمه المعرفة والتكنولوجيا.
التعليم الذكي لا يُختزل في إدخال الأجهزة أو رقمنة المحتوى، بل هو فلسفة متكاملة تعيد تعريف دور المدرسة، والمعلم، والمنهاج. هو تعليم يضع الطالب في قلب العملية التعليمية، ويستخدم التقنية والذكاء الاصطناعي لفهم قدراته، وتحفيز تفكيره، وبناء مسارات تعلم مرنة تراعي الفروق الفردية، وتحوّل الصف الدراسي إلى مساحة حوار واكتشاف.
وفي قلب هذا التحول يقف المعلم الذكي، بوصفه حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي. المعلم الذكي لا يُقاس بعدد شهاداته فقط، بل بقدرته على الإبداع، ومرونته في التعلم المستمر، ومهارته في توظيف التكنولوجيا لصالح التفكير النقدي لا لإلغائه. إن تغيير مفهوم تطوير المعلم من الشهادة إلى الإبداع هو الخطوة الأولى لكسر الجمود وبناء تعليم حي ومتجدد.
أما المناهج الذكية، فهي تلك التي تتحرر من الحشو والتكرار، وتبنى وفق منظور عالمي يستفيد من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. مناهج تركز على المهارات لا المعلومات، وعلى الفهم لا الحفظ، وتربط المعرفة بالواقع، وتُعدّ الطالب لسوق عمل عالمي لا يعترف إلا بالكفاءة والقدرة على التكيف.
إن ربط التعليم بالتقنية والذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا ترفيًا، بل ضرورة وجودية في عالم تتغير فيه المهن وتتبدل فيه المهارات بوتيرة غير مسبوقة. والتعليم الذي لا يواكب هذا التحول، محكوم عليه بأن يصبح عبئًا بدل أن يكون رافعة للتنمية.
ولا يكتمل هذا المشروع دون إعادة الروح إلى المدارس الحكومية، لتتحول إلى نماذج متقدمة لتعليم عصري، لا مؤسسات مثقلة بالروتين وضعف الإمكانات. مدارس تمتلك بيئة تعليمية محفزة، وبنية تحتية ذكية، وإدارة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الطالب.
وفي هذا السياق، يصبح استقطاب الكفاءات البشرية الوطنية في التعليم أولوية لا تحتمل التأجيل. فالأردن غني بعقول تربوية قادرة على الابتكار، إذا ما أُتيحت لها الثقة، ووفرت لها بيئة عمل تحفز الإبداع وتحترم الدور التربوي.
إن التعليم الذكي ليس مشروع ترف فكري، بل خيار وطني استراتيجي. خيار يعيد بناء الإنسان الأردني بعقل منفتح، ومهارة عالية، وروح قادرة على المنافسة في عالم لا يرحم المتأخرين.

مواضيع قد تهمك