الأخبار

د. عبير الرحباني : تاريخ الشماغ الأحمر

د. عبير الرحباني : تاريخ الشماغ الأحمر
أخبارنا :  

إنتشرت مؤخرا بعض المعلومات غير الدقيقة حول الشماغ الأردني وتاريخه.. ومن باب الأمانة المعرفية والمسؤولية الإعلامية..

وقبل أن أفتح موضوع الشماغ الأردني وأتناول تاريخه أودّ أن أوضح نقطة أساسية بأن حديثي هنا يأتي في إطار قراءة معرفية تحترم رمزا وطنيا عريقا.. بعيدا عن أي موقف أو مقارنة أو اصطفاف..

فالشماغ الأردني جزء أصيل من الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية.. ومعرفة تاريخه لا تنتقص من مكانته.. بل تعزّز قيمته وترسّخ حضوره..
ولا يوجد اي بحث أكاديمي محكم أو مصدر تاريخي موثوق يثبت تاريخا محددا بأن الشماغ الأردني بشكله وتسميته ظهر قبل آلاف السنين وفي منطقة معينة فقط (مثل منطقة شماخ في الكرك).. كما لا توجد مصادر أثرية أو نصوص تاريخية محكمة تؤكد ذلك.. أو أنه مرتبط بمنطقة جغرافيا محددة مثل منطقة الشماخ في الكرك جنوب الاردن..

وعلى الرغم من انه لا يوجد مصادر تاريخيه تثبت ان الشماغ الاردني غير مرتبط بمنطقة معينه في جنوب الكرك.. إلا أنني هنا اعتمد على أقدم توثيق مكتوب أو مصوّر ذكر أن أقدم صور أو نصوص واضحة ظهرت في القرنين 18–19. كما اعتمد هنا على الجانب الوظيفي في سياقه البيئي.

فالوثائق الأثرية والرسوم القديمة تشير إلى أن سكان هذه المنطقة منذ آلاف السنين.. بمن فيهم اليهود كانوا يغطون رؤوسهم بعمائم أو أغطية أخرى.. ولم يكن هناك الشماغ الأحمر الأردني الذي نعرفه اليوم.. وهذا يؤكد أن الشماغ ظهر لاحقا..ضمن تطور الأزياء البدوية.

وعلى الرغم من أن بعض المقالات الشعبية تقول إن إسم الشماغ مشتق من "شماخ" في منطقة الشوبك جنوب الأردن والتي اعتمد عليها البعض في منشوراتهم.. لكنها ليست مصادر تاريخية معتمدة أو منشورة أكاديميا.. بل غالبا تعتمد على روايات محلية غير دقيقة أو تفسير لغوي غير مركّز بحسب صحيفة البلقاء اليوم الإلكترونية

في المقابل فان الدراسات اللغوية للفظ شُمَاغ أو كوفية تشير إلى ان أصل الكلمة مرتبط بمفهوم غطاء الرأس أو ارتباط لغوي بالحضارات القديمة.. لكن من دون تحديد منطقة جغرافية واحدة أو أنها ظهرت هناك أولا بشكل علمي.. كما أشارت الدراسات اللغوية والتاريخية المعتمدة.

والدراسات اللغوية تؤكد بأن الشماغ والكوفية تطور كزي بدوي عملي.. ولم يثبت أن كلمة شماخ من منطقة معينة هي الأصل العلمي المحقق باسم الشماغ.

كما أن الكوفية أو الشماغ ظهرا في اللغة العربية بعد الحروب الصليبية.. وربط أصل الكلمة بعدة تفسيرات لغوية لا تثبت أنها مصطلح محدد في زمن معين قبل الميلاد بحسب الكبييديا العربية.

أما وكيبيديا الإنجليزية فتؤكد ان الشماغ/الكوفية هو غطاء رأس تقليدي يستخدم في المناطق العربية للوقاية من البيئة.. ولا يوجد تاريخ مؤرخ واضح يربطه بعصر محدد قبل القرن الـ 19ميلادي كأول تصوير أو نص.

والجدير ذكره هنا أن الشماغ الاحمر ليس إمتدادا لحضارتنا في الأردن كما يدعي البعض.. فلا يوجد دليل أثري أو نصي يربط الشماغ بحضارة بعينها في الأردن أو بسلسلة تاريخية متصلة من العصور القديمة حتى اليوم.. فهو ليس قطعة حضارية موثقة مثل الفخار أو النقوش أو العمارة بل هو لباس وظيفي متغير.

وجذوره ليست من من منطقة الشماخ جنوب الأردن كما يدعي البعض.. فلا يوجد أي دليل علمي (نقوش.. رسومات.. تماثيل.. أو نصوص) يقول إن الشماغ نشأ في جنوب الأردن..

فالحقيقة الأقرب علميا هي أن الشماغ هو شكل من أغطية الرأس الصحراوية وأنتشر في بلاد الرافدين وشمال الجزيرة العربية والبادية الشامية.. وعبر تفاعل بيئي لا حضارة واحدة وشكله الحالي (المربعات، باللون الأحمر) ما هو إلا تطور متأخر نسبيا.. ومرتبط بتقنيات نسيج وصباغة وربما بتأثيرات عثمانية وأوروبية لاحقة.

وايضا فإن الشماغ الاردني لم يكن موجودا منذ الآلاف السنين كما يدعي البعض.. بل بدأ نهاية القرن التاسع عشر .. وترسخ بداية القرن العشرين.. وقبل ذلك كانت أغطية الرأس عمائم ولفائف وقماش سادة من دون النقشةالموجودة حاليا على الشماغ الاحمر.

أما اللون الأحمر الموجود في الشماغ الاردني فلم يكن (رمزا قوميا قديما).. بل لون صباغ شائع صناعيا وسهل الإنتاج تحول لاحقا إلى رمز إجتماعي من ثم وطني.

وأي إدعاء تاريخي من دون مصدر مكتوب أو أثري ما هو إلا سردية شفوية ضعيفة.. فالشيء الرئيسي الحقيقي لامتداد الحضارة في الأردن ليس لباسا.. ولا لونا.. ولا رمزا حديثا.. ولا شماغ ولا كوفية كما يعتقد البعض.

بل إن الامتداد الحضاري الحقيقي في الأردن هو الاستمرارية الجغرافية والبشرية والعمرانية فلجانب الجغرافي أولا لأنه (الأساس)..

كما أن الجغرافيا هي الثابت الأكبر.. لأن الشعوب تتغير.. لكن الجغرافيا لا.

كما أن الاستيطان البشري المستمر يعتبر إمتدادا للحضارة.. فالأردن من أقدم مناطق الاستيطان البشري المتواصل في العالم الذي لم ينقطع منذ آلاف السنين.. وهذا هو الامتداد الحقيقي.. وليس الشماغ الاردني الأحمر كما يدعي البعض .. بشر يأتون ويذهبون.. لكن الحياة لم تتوقف.

كما أن المدن تعتبر إمتدادا حضاريا لا الرموز لأن الامتداد الحضاري يظهر أيضا في المدن نفسها مثل: عمّان (ربّة عمّون فيلادلفيا عمان)
وجرش والسلط ومادبا.. وايضا الطبقات المتراكمة مثل : العمونية والنبطية والرومانية والبيزنطية.

والحضاره الموجودة في الأردن هي إمتداد للحضارات الغربيه مثل الحضاره الرومانيه.. البيزنطية واليونانيه.

وهناك مصادر موثوقة تؤكد عدم وجود الشماغ الاردني منذ الاف السنين.. لماذا ؟! لأن سكان شرق نهر الأردن وما حوله جميعهم من الذين سكنوا المنطقه منذ الاف السنين من عمونيون وآدوميون ومؤابيون لم يكونوا عربا اصلا.

فالعمونيون بحسب التوراة هم النسل (بن عمي) ابن لوط بحسب سفر التكوين (19: 38)..
والآدوميون جنوب الاردن من نسل عيسى (آدوم) ويعتبروا ساميون وليسوا عربا بحسب سفر التكوين (36).
كما ان المؤابيون كانوا يسكنون مؤاب وسط الاردن ويعتبروا من نسل مؤاب إبن لوط.. بحسب سفر التكوين (19 :37) ومنطقه مؤاب في الكرك تعود الى المؤابيين الذين سكنوا الكرك منذ الالفية الثانية قبل الميلاد.. وكانت لغتهم اللغة المؤابية.. وهي لغه كنعانية سامية قريبة من اللغة العبرية القديمة.

أما الكنعانيون فسكنوا غرب نهر الاردن وهم السكان الأصليون للأرض انتشروا على جانبي النهر ويعتبروا من نسل (كنعان بن حام) بحسب سفر التكوين ( 10 ) ..ويعتبروا شعبا قديما مستقلا.. ليسوا عربا وليسوا ساميين.. بحسب التصنيف التوراتي من العهد القديم..

أما العبرانيون (بنو اسرائيل).. فهم نسل ابراهيم واسحاق يعقوب.. جاؤوا لاحقا الى الارض وهم ساميون ..

والعرب بحسب الكتاب المقدس ينسبون الى إسماعيل ابن النبي ابراهيم بحسب سفر التكوين (25) سكنوا البرية وشمال الجزيرة العربية وأطراف الجنوب والشرق .. حيث كانوا خارج منطقة نهر الاردن وما حولها.. وكانوا يقطنون في الباديه والجزيرة العربية فقط.

وبحسب الكتابه المقدس فان منطقة نهر الاردن شرقا و غربا.. لم تكن أرضا عربية.. بل ارض لشعوب سامية وكنعانية متعددة.. لذلك لا يجوز ربط الشماغ الأردني بانه كان موجودا منذ الألاف السنين.. لذلك عندما نتحدث عن تاريخ الاردن وهويتة الثقافي ورموزه علينا العودة الى ما هو أعمق من مجرد روايات وقصص شعبية..

فالذي ظهر وإنتشر أولا هو الكوفية البيضاء أو البيضاء مع خطوط داكنة (سوداء/كحلية)
كانت قطنية بسيطة.. بلا دلالة سياسية أو وطنية.. ومستخدمة في شرق الأردن وفلسطين
وجنوب سوريا وشمال الجزيرة العربية..
كان يلبسها الفلاح والبدوي والتاجرو رجل القافلة.
بمعنى أن الأبيض والأسود (أو الأبيض الغامق) هو الأقدم.. ظهر في القرن الثامن عشر ميلادي بينما الشماغ الأحمر ظهر في القرن التاسع عشر ميلادي ولم يكن شائعا بعد .. ولم يكن رمزا بعد.. إلا بعد 1921 (تأسيس إمارة شرق الأردن) واعتمد الشماغ الأحمر والأبيض في الجيش العربي.. وانتشر بين شيوخ العشائر.. وارتبط بالسلطة والدولة.. من ثم ترسخ
في عهد الملك عبدالله الأول.. من ثم الملك حسين ..

ومن هنا أصبح الشماغ الأحمر هوية أردنية رسمية عام 1956 عند تعريب الجيش الأردني. ولم يدخل كلوب باشا الشماغ الأحمر من العدم.. لكنه نظم استخدامه وشجع الشماغ الاحمر تحديدا داخل وحدات الجيش.. واعتمد نمط الشماغ الاحمر لكنه لم يكن موجودا بسبب تعريب الجيش.

وما حدث عام 1956 هو تعريب الجيش الذي حصلت خلاله إقاله كلوب باشا وتسليم القيادة لضباط أردنيين.. فلم يتغير لشماغ الأحمر.. بل استمر لانه أصبح مألوفا وعمليا ومندمجا في الزي العسكري والاجتماعي الاردني.

واخيرا وليس آخرا.. فإن تصويب المعلومة لا يقلّل من قيمة الرمز.. بل يحميه من التوظيف الخاطئ.. ويحفظ للتاريخ مكانته وللهوية معناها الحقيقي.
ومن يتصدى للحديث عن تاريخ الأردن.. أو عن رموزه الوطنية كالشماغ الأردني.. تقع عليه مسؤولية أخلاقية ومهنية بأن يستند إلى معلومات دقيقة وموثقة من مصادر تاريخية معتمدة.. لا إلى روايات شعبية متداولة وقصص ضعيفة غير دقيقة تفتقر إلى السند العلمي.

فحماية الرموز الوطنية تبدأ بحمايتها من الخطأ.. لا بتكراره.. ولا يجوز أن يبنى على روايات شعبية غير موثقة.. بل على مصادر دقيقة تحفظ للتاريخ صدقه وللرموز مكانتها.

مواضيع قد تهمك