الأخبار

آية عويدي العبادي : الدعم النفسي وعلاقته بتكوين مفهوم الذات لدى الأطفال

آية عويدي العبادي : الدعم النفسي وعلاقته بتكوين مفهوم الذات لدى الأطفال
أخبارنا :  

يُعدّ مفهوم الذات أحد المكونات المركزية في البناء النفسي للطفل، إذ يشكّل الإطار الذي من خلاله يدرك الطفل نفسه، ويقيّم قدراته، وقيمته الشخصية، وعلاقته بالآخرين، ولا يتكوّن هذا المفهوم بصورة فطرية مكتملة، بل يتشكّل تدريجيًا عبر التفاعل مع البيئة المحيطة؛ ويأتي الدعم النفسي في مقدمة العوامل المؤثرة في هذا التكوين.

يُعرَّف مفهوم الذات بأنه التنظيم المعرفي والانفعالي لتصورات الفرد عن نفسه، ويتأثر هذا المفهوم بشكل مباشر بنوعية الاستجابات التي يتلقاها الطفل من الوالدين ومقدّمي الرعاية، فالطفل لا يرى نفسه كما هو، بل كما يُعامَل، فالاستجابات الداعمة نفسيًا، التي تتسم بالتقبل، والاحترام، والاحتواء، تُسهم في بناء مفهوم ذات إيجابي ومتوازن؛ بينما تؤدي الاستجابات الناقدة أو المتجاهلة إلى تشكّل صورة ذاتية سلبية أو مشوشة.

يلعب الدعم النفسي دورًا حاسمًا في المرحلة المبكرة من الطفولة، حيث تكون الحدود بين الذات والآخر غير واضحة بعد، ففي هذه المرحلة، يعتمد الطفل على التغذية الراجعة الانفعالية من المحيط لتحديد قيمته الذاتية، فعندما تُحترم مشاعره، ويُسمح له بالتعبير عنها دون خوف من العقاب أو السخرية، يتكوّن لديه إحساس داخلي بالجدارة والكفاءة، أما إن قوبلت مشاعره بالإنكار أو التقليل، فإن ذلك يرسّخ لديه اعتقادًا بأنه غير مهم أو غير مقبول.

وتشير نظريات التعلّق إلى أن الدعم النفسي المتسق يعزز الشعور بالأمان؛ وهو شرط أساسي لنمو مفهوم ذات صحي، فالطفل ذو التعلّق الآمن يميل إلى رؤية نفسه بوصفه مستحقًا للرعاية، وقادرًا على التأثير في بيئته، في المقابل، قد يعاني الأطفال الذين يفتقرون إلى الدعم النفسي من مفهوم ذات هش، يتسم بالاعتماد المفرط على التقييم الخارجي، أو الخوف من الرفض.

كما يرتبط الدعم النفسي ارتباطًا وثيقًا بتطوّر الكفاءة الانفعالية، وهي القدرة على فهم المشاعر وتنظيمها، وتشكل هذه الكفاءة أحد أعمدة مفهوم الذات، إذ إن الطفل الذي يفهم مشاعره ويُقبل عليها يطوّر علاقة أكثر اتزانًا مع ذاته؛ أما الطفل الذي يتعلم كبت مشاعره أو إنكارها، فينشأ لديه انفصال داخلي يؤثر سلبًا على تقديره لذاته.

خلاصة القول، إن الدعم النفسي عامل بنيوي في تشكيل مفهوم الذات لدى الأطفال، فبقدر ما يحظى الطفل ببيئة نفسية داعمة، بقدر ما تتشكّل لديه ذات متماسكة وقادرة على التكيّف؛ وعليه، فإن الاستثمار في الدعم النفسي منذ الطفولة يمثل حجر الأساس لبناء شخصية متوازنة، وصحة نفسية مستدامة، عبر مراحل الحياة المختلفة.

مواضيع قد تهمك