محمود خطاطبة : اقتصاد الظل ملاذ المتعبين
المُراقب الذي ينظر إلى الواقع الاقتصادي من منظور مُختلف، تراه يبحث عن تفسير منطقي للأرقام، والحصول على إجابة أكثر واقعية، والتي تكمن في ظاهرة الاقتصاد غير المُنظم، أو ما يُسمى بـ»اقتصاد الظل».. هذا القطاع الذي ينمو ويتمدد في صمت، ليس لأنه خارج على القانون، بل لأنه أصبح هو القانون الاقتصادي الموازي الذي يحكم حياة الأغلبية.
اقتصاد الظل، وعلى الرغم من كونه مؤشرًا حيويًا على صمود الناس، وقدرتهم على خلق الفُرص، إلا أن الاعتماد عليه كمُحرك أساسي هو بحد ذاته علامة على مرض في جسد الاقتصاد الرسمي.. إنه مثل حرارة الجسم المُرتفعة كدليل على أن الجسم يُقاوم، لكنها في نفس الوقت مؤشر خطر على وجود التهاب يجب مُعالجته.
والسؤال الذي يقفز إلى الذهن دومًا، لماذا يجد جزء كبير من القوى العاملة، خصوصًا الشباب، فُرصته في القطاع غير المُنظم، بدلًا من القطاع الرسمي، أكان عامًا أم خاصًا.. والإجابة لا تكمن في رغبة فردية بالعمل خارج القانون، بل في مجموعة حقائق موضوعية، فعندما تتجاوز مُعدلات البطالة الرسمية حاجز الـ22 بالمائة، وعندما يجد خريج الجامعة نفسه أمام أبواب موصدة، يُصبح العمل في أي فُرصة مُتاحة، مهما كانت مُتواضعة وغير مُستقرة، ضرورة للبقاء وليس خيارًا.
ولكيلا تكون الأرقام مُجرد أوراق تتطاير في مهب الريح، دعوني أُحدثكم عن مشهد رأيته بعيني، حين دلفت مع صديق إلى قلب وسط البلد العتيق، حيث كانت الشوارع تزدحم بالبشر في حركة لا تهدأ، لكن المشهد برُمته كان أشبه بـ»لوحة بلا روح».. العيون تتجول بين البضائع المعروضة، والأيادي فارغة، والقوة الشرائية كأنها غادرت المكان لغير رجعة، وكأن هذا الازدحام دليل على الحاجة الماسة للناس الذين يبحثون عن أرخص الأثمان لضروريات العيش.
قد يكون هذا المشهد، هو الترجمة الصادقة لـمؤشر تآكل الدخل، حيث فقدت الرواتب المعهودة قُدرتها على حماية الطبقة الوسطى، التي كانت يومًا عصب الاستقرار، وخزان السيولة في السوق.. فهذه الطبقة، التي كانت تشتري وتستهلك وتُحرك عجلة السوق بانتظام، أصبحت اليوم تحيا تحت الكفاف وربما أقل، خوفًا من فاتورة الكهرباء التي تأتي بحسابات لا يستوعبها العقل، وخوفا من إيجار المنزل أو مُخالفة سير طارئة.
فالصحيح أنه وعندما تجد أن ديون الأفراد والقروض البنكية، قد أصبحت أشبه بـآلة حصاد تقتطع نصف الراتب قبل أن يصل إلى اليد، تُدرك حينها أن الحديث عن نسبة بطالة 22 بالمائة، هو ترف، لأن ملايين الأردنيين يعملون فعليًا، لكنهم يتقاضون رواتب ميتة لا تكفي لردع شبح الفقر.
ومن هُنا، يُصبح اقتصاد الظل ليس مجرد ملاذ، بل هو خيار وحيد يمنح هذه الرواتب الميتة قبلة حياة لتدفع فواتيرها، يُضاف إلى ذلك، البيئة التشغيلية التي تواجه أصحاب المُبادرات الصغيرة، خاصة أن تكاليف الامتثال للقوانين، من رسوم ترخيص وضرائب واشتراكات إلزامية، تُشكل عبئًا كبيرًا قد يفوق قُدرة أي مشروع ناشئ على التحمل.. وفي المُقابل، لا يلمس صاحب المشروع الصغير دائمًا عائدًا ملموسًا لهذه التكاليف في شكل خدمات داعمة أو حماية حقيقية.
وعليه، فإن هذه المُعادلة الصعبة بين التكاليف المُرتفعة والعائد غير الملموس، تدفع بشكل طبيعي ومنطقي العديد من الأفكار الإنتاجية إلى البحث عن مساحة للنمو في بيئة أقل تكلُفة وتعقيدًا.
ومن هُنا، يجب قراءة المشهد بعناية إن حيوية الاقتصاد غير المُنظم هي مؤشر على مرونة المُجتمع وقدرته على الصمود وخلق الفُرص، وهذا جانب إيجابي لا يمكن إنكاره، لكن الاعتماد عليه كمُحرك أساسي للنمو على المدى الطويل ليس مؤشرًا صحيًا بالضرورة، فهو يكشف عن وجود خلل في بُنية الاقتصاد الرسمي القائم على المُسكنات للبقاء واقفًا؛ المُسكنات تُبقيه حيًا وتُخفف من ألمه، لكنها لا تُعالج المرض الأصلي، بل قد تُخفي تفاقمه.
وأقول إن أي مُقاربة تسعى للتعامل مع هذه الظاهرة يجب أن تبدأ من هذا الفهم المُزدوج، فبدلًا من التركيز على مُكافحة الظاهرة، ربما يكون من الأجدى التركيز على مُعالجة الأسباب التي جعلت منها ضرورة، ومن ثم الدخول بقوة لتنظيمها والاستفادة منها طالما أنه لا حلول في جعبتكم حتى اليوم.
إن مُراجعة شاملة لتكاليف بدء وتشغيل الأعمال، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وربط الالتزام الضريبي بالحصول على خدمات ومزايا واضحة ومُباشرة، قد تكون هي المداخل الحقيقية، ليس من أجل القضاء على «الظل»، بل لجعل النور خيارًا مُمكنًا ومُجديًا للجميع.. ويبقى السؤال «ما هي الحلقة المفقودة؟». ــ الغد