الأخبار

علاء الدين ابو زينة : الإيرانيون، من الرمضاء إلى النار..!

علاء الدين ابو زينة : الإيرانيون، من الرمضاء إلى النار..!
أخبارنا :  

يوم الثلاثاء، وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة إلى المتظاهرين الإيرانيين بشأن الاحتجاجات في بلدهم. وجاء في الرسالة التي نشرها على منصته «تروث سوشال»: «أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج — استولوا على مؤسساتكم !!! احفظوا أسماء القتلة والمعتدين. سوف يدفعون ثمنًا باهظًا... المساعدة في الطريق».
في الأساس، ينبغي أن يكون حق الشعوب في الاحتجاج والمطالبة بالحقوق مصونًا ومقدسًا. وثمة حق للشعوب على ما يُسمى «المجتمع الدولي» -لو كان ثمة واحد حقًا- لتوفير الحماية للمحتجين السلميين إذا تعرضوا للقتل والقمع العنيف بينما يعبرون عن مطالب محقة بسلام. ولدى التأكد من جور الحكومة المعنية على الشعب يمكن أن يتدخل مجتمع الأمم في الحالة المثالية بوسائل مشروعة ومحددة الهدف. وتبدأ الجهود بالضغط الدبلوماسي المنسق، وتفعيل آليات القانون الدولي ومؤسساته المستقلة (ضع خطوطًا تحت «المستقلة»)، والتحقيقات الدولية والمساءلة القانونية، مرورًا بعقوبات ذكية وموجَّهة تستهدف المسؤولين المباشرين عن القمع وأدواته وليس المجتمع ككل، وصولًا إلى حماية المدنيين بآلية مراقبة دولية. ويصاحب ذلك فتح ممرات إنسانية، ودعم المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة.
لكنّ مثل هذا التدخل يجب أن يكون قائمًا على الشرعية الدولية والمبادئ الكونية وليس على الإملاء أو الانتقائية. ويجب أن يتجنب عسكرة الأزمات أو تحويلها إلى أدوات للصراع الجيوسياسي. ولا ينبغي أن يكون الهدف تغيير الأنظمة بالقوة أو تفكيك الدول، وإنما حماية الناس، ووقف الانتهاكات، وتهيئة الشروط لانتقال سياسي سلمي يقرره الشعب نفسه، بما يحفظ سيادة الدولة ووحدة مجتمعها ويحول دون انزلاقها إلى الفوضى أو الخضوع للوصاية الخارجية.
ما يُسمى «المجتمع الدولي» يعني الآن بالضبط الولايات المتحدة؛ الدولة التي منحت نفسها حق التصرف في معزل عن بقية العالم بادعاء العمل نيابة عنه. وكما يحدث، حيثما تقرر هذه الدولة أن تتدخل، فإن ما يأتي في ركابها هو الدمار والدماء وتفكك المجتمعات وتحلل الدول. ويكون الهدف دائمًا تقريبًا هو إعدام مقدّرات الأمة المستهدفة، وإخضاعها والاستيلاء على مقدراتها. وعندما يصل شعب من اليأس حدًّا يجعله يستجير بالولايات المتحدة لتحريره، فإن طيش صوابه واختلال ملَكة حكمه يجعلانه بالضبط ذلك «المستجير من الرمضاء بالنار».
في الأصل، كانت السياسات الأميركية العدوانية القائمة على الحصارات والعقوبات الاقتصادية ضد الدول المعارضة هي التي تخلق بيئة من الانقسام العميق بين الشعوب والحكومات. وكما حدث في أكثر من مكان في العالم، تضغط هذه السياسات على حكومة الدولة المعنية وتشل قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، بما يشيع الإحباط واليأس لدى المواطنين. ويجري استثمار هذا الوضع لإضعاف المؤسسات الرسمية وتأجيج الصراعات الداخلية، سواء بدعم التمردات أو تغذية التوترات الطائفية والإقليمية. ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على استنزاف الموارد الاقتصادية فحسب، بل تذهب إلى تقويض الثقة بين المواطنين وأنظمتهم. وسرعان ما تتحول المطالب الشعبية المشروعة إلى أزمات سياسية غالبًا ما تكون فخاخاً تُستغل لتعميق السيطرة الأميركية – وتأمين الكيان الصهيوني الوكيل في حالة إقليمنا.
في كثير من الحالات، تنفجر الاحتجاجات الشعبية نتيجة هذا الضغط المركّب ليفضي في نهاية المطاف إلى تقويض البلد وشعبه جملة وتفصيلًا. ودائمًا تُروّج الولايات المتحدة لهذه الفوضى باسم دعم للديمقراطية وحقوق الإنسان، وكأن الديمقراطية وحقوق الإنسان تعنيان فقط الخضوع للإرادة الأميركية ووضع أقدار الشعوب ومقدراتها في يد السيد الأميركي!
في الحقيقة، شهدت الولايات المتحدة نفسها في العام أواخر العام الماضي –وتشهد في أوائل العام الجديد- موجة احتجاجات واسعة ضد سياسات ترامب الداخلية. وكان هدف احتجاجات ما تعرف بحركة «لا ملوك»No Kings ، كما هو واضح من الاسم، هو مناهضة ما يعتبره كثير من الأميركيين توجّهًا واضحًا نحو الاستبداد، وتوسعًا مفرطًا في نفوذ السلطة التنفيذية، وتقويضًا لمبادئ الديمقراطية، واعتداءً على الحقوق المدنية الأساسية. وكما ذكرت الأخبار، نظم المتظاهرون في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2025 فعاليات في أكثر من 2.600 موقع في جميع الولايات الأميركية، بمشاركة قدّرها منظّمون بنحو 5 إلى 7 ملايين شخص في يوم واحد، لتكون بذلك واحدة من أكبر أيام الاحتجاج في تاريخ البلد ضد سياسات إدارة ترامب.
هذه الظواهر التي يصفها المحتجون في سياسة النظام الأميركي تعني «الدكتاتورية». وسوف يعثر المتابع للشأن الأميركي على مفردات «الدكتاتورية» و»الاستبداد» ومرادفاتهما بتكرار ملفت في النقاشات والأدبيات التي تتناول الوضع في الداخل الأميركي في عهدة ترامب. ومثل الدول الصغيرة، استجابت الحكومة الأميركية للاحتجاجات بحشد قوات الحرس الوطني لتأمين المنشآت ومنع العنف المحتمل. وراقبت السلطات المتظاهرين، وحصرتهم في مناطق محددة، ووصفت نشاطهم بأنه «تهديد للنظام والأمن القومي» و»دعوة إلى الفوضى». واتهمت منظمي الاحتجاجات أحيانًا بأنهم مدفوعون بعناصر خارجية أو متطرفة –نفس الخطاب الذي يُستخدم لتبرير الانقضاض على المحتجين في الأماكن الأخرى.
ماذا ستفعل الحكومة الأميركية مع مواطنيها المحتجين إذا واصلوا الاحتجاجات، وأحرقوا الممتلكات العامة والخاصة وحاولوا الاستيلاء على مؤسسات الدولة؟ من الواضح أن رسالة ترامب إلى الإيرانيين المحتجين هي الانتحار، سواء من حيث تعريض أنفسهم للقتل، أو من حيث الدفع بهم إلى فوضى وصراع أهلي لا يبقي ولا يذر –وبالطبع إضافة بؤرة توتر جديدة إلى إقليم متوتر. والنتيجة، كما حدث في كل مكان تدخل فيه الأميركان: كيان متهدم، وأرض منخفضة، وإرادة مستلبة، وشعب مشدوه، وفوضى إضافية في الإقليم الفوضوي. ــ الغد

مواضيع قد تهمك