م. فواز الحموري : يوم الشجرة
ليس ببعيدٍ، حين المدرسة ننتظر يوم الشجرة الموافق 15 كانون الثاني ، للاحتفال بيومٍ مميز بزراعة الأشجار بفرحٍ وبهجةٍ وبشكلٍ جماعي؛ كان يوم عطلة، ومع ذلك كنا نصحو مبكرًا من أجل ذلك النشاط.
اليوم، يتأخر الاحتفال بيوم الشجرة قليلًا، وتتَناثر الأخبار عن زراعة الأشجار في مواقع متفرقة، وغالبًا ما نودّع الشجرة دون متابعة لاحقة أو زيارة محبة وتفقد، ودون سقاية ورعاية، لنفقدها لاحقًا، وللأسف.
ذكريات جميلة للجلوس تحت ظل شجرة زرعناها قبل أربعين عامًا، والنظر إلى مساحات جديدة بحاجة للزراعة، في خضم الكثير من مشاريع التحريج، وخصوصًا تلك الأصناف الأصيلة في منبتها وموطنها الطبيعي.
الاحتفاء بالشجرة مظهر وطني يتجدد بغرس قيمة الشجرة في نفوس الأجيال، حبًا للوطن، والمحافظة على الشجرة يانعةً بالإخلاص والانتماء، والحرص على تفقد الشجرة والوطن معًا، والمحافظة عليهما بعشقٍ واهتمام.
نزرع لأسبابٍ بيئية عديدة، لكن ثمة جوهرًا عميقًا يتمثل في تعزيز مفهوم العطاء لدى الناشئة والأجيال الفتية، ومداعبة الأرض وتربتها، وإدراك قيمة الأمل في نمو الشتلة الصغيرة حتى تكبر، بما يفرح القلب وينعش الفؤاد على الدوام.
ثمة العديد من مشاريع زراعة الأشجار، بعضها رسمي والآخر أهلي، كما تتوفر في المشاتل منتجات كافية تلبي احتياجات الزراعة. ويُضاف إلى ذلك الجهود العلمية والبحثية في المختبرات لإكثار البذور من الأصناف النباتية وإعادة زراعتها في موطنها الأصلي والطبيعي، في رحاب وطننا الممتد من أقصى الشمال إلى الوسط والجنوب، لحماية تلك الأصناف من الاندثار والاختفاء التدريجي.
يحفل القاموس الزراعي بالعديد من الأصناف التي يجب المحافظة عليها، ولعلها دعوة صادقة للمختصين في الحراج للإشارة إليها بما يخدم الغطاء النباتي والثروة الطبيعية، لتعود الحياة من جديد بتكامل فريد بين النبات والحيوان والطائر والحشرة، ضمن سلسلة حياة متوازنة بميزانٍ رباني دقيق.
المحميات والغابات، والتنوع الحيوي، والزراعة الريفية، ووقف التعدي على الرقعة الزراعية، محاور وبنود لحوار بيئي مثمر، ينبغي أن ترافق الاحتفال بيوم الشجرة كل عام، وعلى امتداد الوقت المناسب، للمحافظة على البيئة بعلمٍ نافعٍ للعباد والبلاد.
مسؤولية الشجرة جماعية وفردية، وتحتاج إلى مساهمة خبراء التحريج والغابات والمراعي، للإدلاء بما تجود به خبراتهم، وتقديم المعلومات لرفع الوعي العام بأهمية الشجرة كرمزٍ ومخرجٍ ونتاجٍ بيئي وتربوي.
وبالمناسبة، تحتاج الغابات التي زُرعت في فترات سابقة إلى تفقد ورعاية وعناية؛ فبعضها يتعرض لآفات ومشكلات قد تقضي على تلك المساحات الخضراء، وخسارتها تعني فقدان ثروة كبيرة لنا جميعًا.
الشجرة عنوان للحياة؛ فبعد زراعتها، وعقب الاحتفال، ومع مرور الوقت، تحتاج إلى العودة إليها للمتابعة والرعاية، ومدّها بالري والحماية، وإعادة الزراعة إن اقتضى الأمر، إضافة إلى العديد من الممارسات الزراعية كالتعشيب والتقليم والتنسيق.
فيما مضى أطلقنا أكثر من شعار ومبادرة رسمية وخاصة، وينبغي اليوم الاهتمام أكثر بالواقع الحالي للأشجار التي زرعناها، وتلك التي نخطط لزراعتها، ومدى انسجامها مع إحياء المفهوم البيئي المتكامل، والعودة إلى نماذج صحيحة في اختيار الأصناف المناسبة والعناية بها، ودعمها بعناصر النمو المتوازن.
نتحمل جميعًا إثم الاعتداء على الشجرة بكل ما يحمله الذنب من مسؤولية، وعلينا معالجة ذلك بمتابعة البحث العلمي الجاد لعودة الغطاء الطبيعي لمساحات الوطن من تربة وشجر وماء وطير وكائنات استوطنت المكان والزمان، وقبل فترة قصيرة شاهدت عودة سنجاب إلى شجرة في منطقة بيرين، وهو مثال بيئي بسيط للعمل والجهد المطلوبين من أجل عودة أصنافٍ أخرى كانت معنا قبل عقودٍ مضت.
للشجرة كل مظاهر المجد والاحتفال والغبطة والاحتفاء؛ فهي رمز الحياة الجميلة وزينة الدنيا، ومن المباهج التي تُدخل الفرح إلى النفوس، كل عام والجميع يغرس، ليُثمر العطاء كل حين.