الأخبار

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : شراكة المعرفة: التعليم بين الأردن والصين

د. محمد عبد الحميد الرمامنة : شراكة المعرفة: التعليم بين الأردن والصين
أخبارنا :  

بينما يظن كثيرون أن القوة تُبنى في البورصات والموانئ، تختار الصين بصمت ساحة أكثر عمقًا: ساحة العقول. هناك، حيث تُصاغ الأفكار قبل السياسات، وتُبنى القوة قبل أن تُعلن عن نفسها، تكمن فلسفة الشراكة التعليمية التي تربط الصين بالأردن. فالتعاون بين البلدين ليس مجرد تبادل أكاديمي، بل نافذة على فهم صيني دقيق بأن المستقبل لا يُستورد، بل يُدرَّس، وهو ما يتضح من منح 30 طالبًا أردنيًا من 11 جامعة فرصة الدراسة في الصين خلال عام 2025.

عندما تضع الصين التعليم في صلب علاقتها مع الأردن، فهي لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن شراكة طويلة النفس تقوم على نقل طريقة تفكير قبل نقل الأدوات. خلال أربعة عقود انتقلت الصين من اقتصاد زراعي متواضع إلى قوة تكنولوجية عالمية، لم تحقق ذلك بالموارد وحدها، بل بعقل جمعي منضبط يرى في التعليم عمقا حضاريا، وفي المعرفة أداة سيادية.

العلاقة التعليمية مع الصين تمنحنا نافذة على هذا العقل الصيني: عقل لا يفصل بين الثقافة والتكنولوجيا، و يرى في التحول الرقمي مسارًا تراكميًا يقوم على الصبر والتجريب واحترام الزمن. وهذا بالضبط ما يحتاجه الأردن في مرحلة يسعى فيها إلى نماذج تنموية واقعية تقنية، لا تُرهقه بالوعود ولا تُغريه بالحلول السريعة.

إن القواسم الثقافية برغم المسافة الجغرافية والاختلاف اللغوي بين المجتمعين أعمق مما يبدو. فكلاهما ينتمي إلى ثقافة ترفع من شأن الأسرة، وتقدّم الجماعة على الفرد، وتحترم الدولة كإطار للنمو والرفاه. وكلاهما يحمل وعيًا حضاريًا متراكمًا؛ الصين كحضارة ممتدة لم تنقطع، والأردن كأرض حضارات تعاقبت وذات شاهد حي. هذا الإدراك للتاريخ يخلق تواضعًا حضاريًا، ويمنح العلاقة بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحسابات الباردة.

الصين لا تعرض على شركائها نموذجًا جاهزًا للاستنساخ فقط بل يمتد كتجربة للتحول. تجربة تقول إن التكنولوجيا لا تُعار كسلعة، بل تُوطَّن كفكرة، من هنا، إدخال اللغة الصينية إلى المنظومة التعليمية الأردنية ليس خيارًا ثانويًا، بل استثمارًا في فهم شرق يتقدم بثبات ويعيد تشكيل موازين القوة بهدوء.

ما يمكن أن يتعلمه الأردن من التجربة الصينية ليس كيف يصبح نسخة عنها، بل كيف يدير التحول بعقل ناضج ونَفَس طويل، وكيف يوفق بين هويته الثقافية ومتطلبات العصر، دون أن يفقد ذاته، فالصين لم تتقدم لأنها تخلّت عن ثقافتها، بل لأنها أعادت توظيفها في خدمة التحديث.

في عالم يتجه شرقًا دون أن يقطع مع الغرب، يصبح التعليم المساحة الأكثر أمانًا لبناء شراكات ذكية ومتوازنة، وعندما يُدار التعاون الأردني الصيني بوعي ثقافي ورؤية استراتيجية، فإنه لا يصنع خريجين فقط، بل يصنع وعيًا جديدًا يرى في المعرفة طريقًا للتقدم ، وفي العقل أداة للتغيير الحضاري المستدام. ــ الراي

مواضيع قد تهمك