الأخبار

د. رعد محمود التل : أثر برنامج الحكومة التنفيذي 2026–2029 على المواطن

د. رعد محمود التل : أثر برنامج الحكومة التنفيذي 2026–2029 على المواطن
أخبارنا :  

قدمت الحكومة برنامجها التنفيذي للأعوام 2026–2029 من خلال أربعة محاور رئيسية مترابطة، تشكل في مجموعها إطارًا عمليًا لترجمة الرؤى الوطنية إلى نتائج ملموسة. جوهر هذا البرنامج ليس السياسات بحد ذاتها، بل الأثر على الإنسان، باعتباره غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد. السؤال الجوهري الذي يطرحه المواطن اليوم هو كيف سينعكس هذا البرنامج على دخله وفرص عمله وجودة الخدمات التي يحصل عليها؟

المحور الأول في البرنامج يتمثل في تحسين النمو الاقتصادي باعتباره المدخل الأساسي لتحسين مستويات الدخل وتوليد فرص العمل وتعزيز الإيرادات العامة. هذا المحور يستند مباشرة إلى البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي، ويعتمد على تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى والمشاريع الاستثمارية ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بقيمة تقديرية تصل إلى 10 مليارات دينار أردني. الفكرة الأساسية هنا أن النمو ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة لتحريك الاقتصاد الحقيقي، ورفع الطلب على العمالة، وتحسين قدرة الدولة على الإنفاق التنموي والاجتماعي.

تحقيق هذا الهدف يفترض بيئة اقتصادية مستقرة خلال الفترة 2026–2029، تشمل استقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، ومستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية. كما يفترض استمرار الإنفاق الرأسمالي وعدم تراجعه، والحفاظ على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادتها، إلى جانب تحقيق نمو مستدام في الصادرات. دون هذه الشروط، سيبقى النمو هشًا وغير قادر على توليد الأثر المطلوب.

المحور الثاني يتمثل في تحديث الإدارة العامة، وهو ما يمكن وصفه بثورة بيضاء في طريقة عمل الدولة. فحتى يلمس المواطن أثر النمو، لا بد من مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وفعالية. البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام يستهدف تطوير منظومة العمل الحكومي، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز كفاءة إدارة المال العام، وبناء علاقة تشاركية مع المواطنين. الأهمية الاستراتيجية لهذا المحور تكمن في كونه الإطار الذي يربط التخطيط بالتنفيذ، ويحول السياسات إلى نتائج، من خلال الاعتماد على التخطيط القائم على الأدلة، وتكامل السياسات والتشريعات، وتوجيه الموارد نحو الأنشطة ذات الأثر التنموي الأعلى.

المحور الثالث هو التحول الرقمي، والذي يشكل الأداة التنفيذية الحاسمة لبقية المحاور. فالتحول الرقمي ليس مشروعًا تقنيًا منفصلًا، بل ركيزة أساسية لتحديث القطاع العام وتحسين جودة الخدمات الحكومية. تسريع رقمنة الخدمات والإجراءات، وتبسيط رحلة المواطن، وتقليص الوقت والكلفة، كلها عوامل ترفع كفاءة الأداء المؤسسي وتحد من الهدر، وتخلق بيئة أكثر تنافسية وشفافية. نجاح هذا المحور يعني أن المواطن سيتعامل مع دولة أسرع، وأبسط، وأكثر عدالة في تقديم الخدمات.

أما المحور الرابع، الحماية الاجتماعية، فيمثل الإطار الجامع لكافة برامج التحديث. فالنمو، والإدارة الكفؤة، والتحول الرقمي، تفقد معناها إن لم تنعكس على أمن الإنسان الاجتماعي. ترتكز منظومة الحماية الاجتماعية على الإنسان باعتباره جوهر التنمية، وتهدف إلى حماية الفئات الأكثر تأثرًا بالتحولات الاقتصادية، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي كشرط للاستقرار الاقتصادي.

لهذا كله يشكل البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029 إطار عمل وطنيًا موحدًا، تتكامل في داخله البرامج والمشاريع التنموية ضمن جداول زمنية واضحة وآليات متابعة وتقييم مستمرة. المؤشرات المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، مثل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، وعدد فرص العمل المستحدثة للأردنيين، وحجم الاستثمار المتوقع، ونمو الصادرات، ستكون المعيار الحقيقي للحكم على نجاح البرنامج.

أهمية البرنامج التنفيذي لا تكمن في عناوينه، بل في قدرته على تحويل الترابط بين محاوره الأربعة إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في دخله، وفرص عمله، ونوعية الخدمات التي يحصل عليها. نجاح الحكومة في ذلك سيعني الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة النتائج، وهي المرحلة التي طال انتظارها، لكننا متفائلون.

مواضيع قد تهمك