د. محمد حيدر محيلان : رجال الأمن ضبطوا المجرمين فمَن يضبط الفكر المتطرف؟
صدق رجال الأمن العام وعد قائد الوطن، جلالة الملك عبدالله الثاني، حين طاردوا المجرمين الذين روّعوا المجتمع الأردني بجريمتهم النكراء، حتى وصلوا إليهم في جحرهم وألقوا القبض عليهم، بوقت قياسي. وقد كشفت العملية عن مستوى عالٍ من المهنية والاحترافية والدقة في جمع المعلومات وتعقب المطلوبين وتنفيذ الواجب، وأكدت أن يد الدولة قادرة على الوصول إلى كل من يعتدي على أمن الأردن ووحدة شعبه، وبسرعة.
لم تكن العملية مجرد مداهمة أمنية ناجحة، بل كانت رسالة طمأنة إلى الأردنيين جميعًا: أن دماء الأبرياء لن تضيع، وأن المجرم قد يختبئ، لكنه لن يفلت من العدالة. كما أثبت رجال الأمن أن الشجاعة لا تعني التهور، وأن الحزم لا يتعارض مع الانضباط وسيادة القانون، فالدولة القوية تقبض على المجرم وتحيله إلى القضاء لينال جزاءه العادل.
لقد ضبط رجال الأمن المجرمين، ولكن يبقى السؤال الأهم: مَن يضبط الفكر المتطرف الذي صنعهم؟.
إن القبض على المنفذين ينهي المطاردة الأمنية، لكنه لا ينهي الخطر الفكري، فالمجرم لا يحمل السلاح فجأة، بل تسبق ذلك أفكار منحرفة، وخطابات تكفير وكراهية، وبيئة تدفعه إلى أن يرى قتل الأبرياء بطولة، والاعتداء على دور العبادة جهادًا. ومن هنا، لا يجوز أن تبقى مواجهة التطرف مهمة أمنية وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام.
ومطلوب من الأسر مراقبة التحولات السلوكية والفكرية للأبناء وكتاباتهم على وسائل التواصل المجتمعية، ويجب ان يحاوروهم ويناقشوهم، ويمنعوهم من الانزلاق إلى الفكر الشاذ والسلوك الإجرامي. فالمسؤولية الأسرية تبدأ عندما تظهر العزلة المفاجئة، أو لغة التكفير، أو تمجيد العنف وكراهية المجتمع. عندها لا يجوز الصمت أو التعامل مع الأمر بوصفه شأنًا عابرًا، بل يجب طلب المساعدة وإبلاغ الجهات المختصة إذا ظهر خطر حقيقي.
فالبطولة التي يتمثلها المتطرفون ليست إلا انتصارًا زائفًا ووهمًا قاتلًا، يقود صاحبه إلى هاوية الدنيا وجحيم الآخرة.
ونحن بحاجة إلى إعادة تأهيل الأئمة والوعاظ وتدريبهم باستمرار، وتوجيه الخطاب الديني نحو حماية الإنسان والمجتمع، ومواجهة من يقتطعون النصوص من سياقها ويقدمون للشباب صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين.
ولدينا في الأردن أساس فكري راسخ، هو رسالة عمّان التي قدمت للعالم ترجمة حقيقية للإسلام القائم على الرحمة والعدل والوسطية واحترام الإنسان ورفض التكفير وسفك الدماء. والتي ينبغي تحويلها إلى برامج تعليمية ودورات للأئمة والمعلمين وحوارات شبابية ومحتوى رقمي مؤثر.
لقد أدى رجال الأمن واجبهم بشجاعة واقتدار؛ فضبطوا المجرمين وصدقوا وعد القائد. ويبقى واجب المجتمع والحكومة أن تضبط منابع التطرف، وتحاصر خطاب الكراهية، فتحمي أبناءها قبل أن تتخطفهم الأفكار المظلمة. فالوطن لا يحرسه السلاح وحده ، بل يحرسه أيضًا وعي أبنائه، وعدالة دولته، ووحدة وألفة التعايش بين أبنائه. حفظ الله الوطن وقيادته الهاشمية وادام عليه الامن والامان والوعي والوئام.