اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد الطراونة ..المسيحيون في الأردن: عرب أقحاح وجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني ،الأردن أرضهم ووطنهم

د. محمد الطراونة ..المسيحيون في الأردن: عرب أقحاح وجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني ،الأردن أرضهم ووطنهم
أخبارنا :  

بقلم: الدكتور محمد حسن الطراونة

مساعد الأمين العام للشؤون الاجتماعية في حزب نماء


تاريخ الأردن ليس مجرد صفحات تُدوّن في كتب التاريخ، بل هو ملحمة إنسانية واجتماعية خُطت بأيدي أبنائه جميعاً، ممن زرعوا أرضه خيراً، وبنوا مسيرته بجهدٍ وعرقٍ لا ينقطعان. وفي قلب هذه الملحمة الوطنية، يقف المسيحيون الأردنيون كعنوان أصيل للتجذر والأصالة؛ فهم ليسوا طارئين ولا ضيوفاً، بل هم عربٌ أقحاح، ضربت جذورهم في أعمق طبقات هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وكانوا مع إخوانهم المسلمين بنياناً واحداً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً.
ولعل مراجعة الامتداد التاريخي للمسيحية في الأردن تؤكد هذه الحقيقة الجلية؛ إذ يمثل المسيحيون الأردنيون الامتداد الطبيعي للقبائل العربية الأصيلة التي استوطنت هذه الرقعة المباركة وشهدت تحولاتها الحضارية عبر العصور. وتأتي المنتشرات الكنسية والآثار التاريخية في أم الرصاص، ومأدبا، والمغطس، ومكاور، وصولاً إلى الكرك، لتشهد على أن هذه الأرض كانت وما زالت مهداً للإيمان والعيش السامي الذي تبلور عبر الزمن ليرسي القواعد الأولى لمفهوم المواطنة الحقيقية القائمة على التآخي والتضامن.
ولا أدل على هذا عمق التجذر والتلاحم مما تتجلى به محافظة الكرك الأبية؛ هذه المحافظة التي احتضنت عبر تاريخها المجيد أبهى صور التعايش الاجتماعي. ومن الكرك وقراها الوادعة—كقرية "حمود"—تتجلى الحقيقة الناصعة للروابط الوثيقة بين العشائر الأردنية المسلمة والمسيحية. ولعل ما شهدته بلدة حمود في الاعتداء الإجرامي الغادر الذي استهدف الكنيسة هناك، قد أرسل للعالم أجمع رسالة صلبة مفادها: أن أي محاولة آثمة لاستهداف كنيسة أو مساس بأمن المواطنين، لن تزيد الأردنيين إلا تلاحماً وثباتاً.
ولقد تجسد موقف الدولة الأردنية بكل حزم ووضوح في المتابعة المباشرة من جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أرسى موقفاً حاسماً بتأكيده أن "من توهّم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا، فالدم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد كل من يتطاول على الوطن". وترافق هذا الموقف القيادي مع الزيارة الميدانية التي قام بها جلالته للمصابين في مستشفى الكرك الحكومي، يسانده في ذلك الأداء والجاهزية الاحترافية للأجهزة الأمنية والعسكرية التي تتبعت الجناة وألقت القبض عليهم بحزم وسرعة لتؤكد أن أمن الأردن وسلامة مواطنيه خط أحمر لا تهاون فيه.
إن هذا الموقف الهاشمي والاستجابة الأمنية الحازمة، إلى جانب مواقف أبناء عشائر الكرك الأبية—وفي مقدمتهم أبناء الطراونة وكل قبائل الأردن الأوفياء—كانت وما زالت سداً منيعاً أمام كل فكر ظلامي. لقد وقفت الكرك عن بكرة أبيها لتؤكد أن دمعة حمود هي دمعة كل بيت أردني، وأن المصاب واحد والدم واحد. ومن هذا التجذر والمواقف الوطنية الصلبة، تتأكد المواطنة الفاعلة للمسيحيين الأردنيين الذين كانوا وما زالوا شركاء حقيقيين في بناء الدولة ومؤسساتها التعليمية والصحية والاقتصادية والسياسية منذ تأسيس الإمارة وحتى يومنا هذا.
ونحن في حزب نماء، نؤمن إيماناً قاطعاً بأن الحماية الحقيقية للأوطان تبدأ من صون هذا النسيج الاجتماعي المتين وتعميق قيم المواطنة الجامعة. سيبقى المسيحيون الأردنيون صخرة صلبة في بناء هذا الوطن واستقراره، وسنبقى جميعاً—مسلمين ومسيحيين، وفي كل شبر من أرض الأردن الغالية—نعمل يداً بيد للارتقاء بوطننا تحت الراية الهاشمية المظفرة؛ فالأردن أرضهم ووطنهم، ومستقبلنا جميعاً فيه واحد لا يتجزأ

مواضيع قد تهمك