د. احمد محمد الخصاونة : الأردن وسوريا.. شعب واحد تجمعه الأخوّة وتوحده المصالح والمصيــر
ليست الحدود التي تفصل بين الأردن وسوريا سوى خطوط رسمتها الجغرافيا والسياسة، أما في وجدان الشعبين، فثمة حكاية أعمق من الحدود، وأقدم من الخرائط، وأرسخ من كل الظروف التي تعاقبت على المنطقة. إنها حكاية الأخوّة والجوار والتاريخ المشترك، وحكاية عائلات امتدت جذورها بين البلدين، فجمعتهم صلات الدم والقرابة والمصاهرة، ووحّدتهم العادات والتقاليد والقيم العربية الأصيلة، حتى غدا الأردني والسوري، على اختلاف أصولهما ومناطقهما، أقرب إلى أهل البيت الواحد منهما إلى شعبين تفصل بينهما حدود سياسية.
لقد عاش الأردنيون والسوريون قرونًا من التفاعل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي، وتبادلت مدنهم وقراهم الأفراح والأتراح، وتشابكت مصالحهم، وتداخلت أسرهم، وظلت الروابط بينهم شاهدة على حقيقة راسخة، مفادها أن الشعوب التي يجمعها التاريخ لا تستطيع الجغرافيا أن تفصل بينها في وجدانها. ففي إربد ودرعا، وفي الرمثا وحوران، وفي سائر المدن والقرى، تتردد حكايات الأجداد، وتبقى صلات القربى والجوار دليلًا حيًا على وحدة النسيج الاجتماعي، مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأزمنة.
ولقد عانى الشعب السوري الشقيق سنوات طويلة من الحرب والدمار والنزوح وفقدان الأمن والاستقرار، ودفع أثمانًا باهظة من أرواح أبنائه ومقدرات وطنه ومستقبل أجياله. ولم يكن الأردن، قيادةً وشعبًا، بعيدًا عن تداعيات هذه المأساة، فقد تحمل أعباء إنسانية واقتصادية كبيرة، واحتضن أعدادًا من الأشقاء السوريين، انطلاقًا من واجبه الإنساني والأخلاقي، ومن إيمانه بأن الشقيق لا يتخلى عن شقيقه في أوقات الشدة. وقد أثبتت هذه المحنة أن روابط الأخوّة الحقيقية لا تُقاس بحجم المصالح وحدها، بل بمدى الوفاء حين تضيق السبل وتشتد الأزمات.
واليوم، يقف البلدان أمام تحديات مشتركة لا تعترف بالحدود، ولا تستثني مجتمعًا من آثارها. فالإرهاب، وتهريب المخدرات، والجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، وكل أشكال العبث بأمن المجتمعات وكرامة الإنسان، أخطار تستوجب تعاونًا جادًا وتنسيقًا مستمرًا بين الدولتين، وتكاتفًا بين شعبيهما. فحماية الشباب من آفة المخدرات، وصون الأسر من التفكك، وحفظ أمن المدن والقرى، مسؤولية وطنية وإنسانية مشتركة، لا تحتمل المزايدة أو التراخي.
إن مواجهة هذه الأخطار ليست حربًا على شعب أو هوية، بل هي مواجهة مع كل من يسعى إلى تدمير الإنسان، واستغلال حاجته، وترويج السموم بين أبنائه، وزعزعة استقرار أوطانه. ومن هنا، فإن دعم استقرار سوريا وأمنها، وتعزيز قدرة الأردن على حماية حدوده ومجتمعه، مصلحة متبادلة تخدم الشعبين والمنطقة بأسرها.
ولا بد أن تتجاوز العلاقة الأردنية السورية حدود التعاون الأمني إلى آفاق أرحب من التكامل الاقتصادي، والتبادل التجاري، والتعاون الأكاديمي، وتبادل الخبرات، وتمكين الشباب، وفتح أبواب الأمل أمام الأجيال الجديدة. فالشباب الأردني والسوري يستحقون مستقبلًا تصنعه المعرفة والعمل والفرص، لا الخوف والصراعات والحرمان.
إن الأردن وسوريا ليسا مجرد دولتين متجاورتين؛ إنهما عمق اجتماعي وتاريخي متبادل، وشعبان تجمعهما أواصر الأخوّة والمصير. وستبقى الحدود قائمة بحكم السيادة الوطنية، لكنها لن تلغي حقيقة أن المحبة والتاريخ والقرابة أقوى من كل الحواجز.
فالسلامة للأردن وسوريا، والأمن لشعبيهما، والرحمة لكل من عانى، والنصر لكل جهد مخلص يسعى إلى حماية الإنسان وصون كرامته. ولتبقَ الأخوّة جسرًا يعبر عليه الشرفاء نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا، مستقبلٍ ينتصر فيه العقل على الفوضى، والعمل على الهدم، والإنسانية على كل ما يناقضها.
حفظ الله الأردن والأردنيين، وحفظ الله سوريا والسوريين، وأدام على الشعبين الشقيقين نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار، ووفّقهما لكل ما فيه خير أوطانهما ورفعة أبنائهما. ستبقى الأخوّة بين الشعبين أعمق من الحدود، وأرسخ من الأزمات، وستظل روابط الدم والقرابة والتاريخ والمصير جسورًا للمحبة والتعاون والتكامل. نسأل الله أن يكتب لسوريا وشعبها أيامًا يسودها السلام والتعافي والنهضة، وأن يحفظ الأردن وطنًا آمنًا عزيزًا مزدهرًا، وأن يديم بين الشعبين المحبة والوئام، لتبقى راية الأخوّة خفّاقة، ويظل المستقبل أكثر إشراقًا وأملًا للأجيال القادمة.