اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد وليد محمود : حين دخل الفضاء السيبراني إلى العلاقات الدولية

د. خالد وليد محمود : حين دخل الفضاء السيبراني إلى العلاقات الدولية
أخبارنا :  

كما هو معروف، لم يكن مفهوم القوة في العلاقات الدولية ثابتًا، بل ظل يتغير بتغير مصادرها وأدواتها. فإلى جانب القوة الصلبة القائمة أساسًا على القدرات العسكرية والاقتصادية، تزايد الاهتمام بالأبعاد غير المادية للقوة، فبرز مفهوم القوة الناعمة القائمة على الجاذبية والإقناع، ثم ظهرت مقاربات حاولت تجاوز الثنائية التقليدية بين القوة الصلبة والناعمة من خلال مفهوم القوة الذكية.

ومع ثورة المعلومات والاتصالات وانتشار الإنترنت منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، برز الفضاء السيبراني بوصفه بيئة جديدة تضاف إلى المجالات التقليدية البرية والبحرية والجوية والفضائية. ولم يلبث هذا الفضاء أن تجاوز وظيفته التقنية ليصبح مجالًا سياسيًا واستراتيجيًا تتحرك من خلاله التفاعلات الدولية بأنماطها التعاونية والصراعية، ويؤثر في الأمن والاقتصاد والسياسة والحرب، وفي قدرة الدول على إنتاج القوة وممارستها.

ومن رحم هذا التحول برز مفهوم القوة السيبرانية (Cyber Power)، التي تقوم على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والابتكار والبيانات والبنية التحتية الرقمية، والأهم من ذلك القدرة على توظيف هذه الموارد لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية. ومن هنا، لم يعد الفضاء السيبراني مجرد أداة تكنولوجية جديدة، وإنما أصبح أحد المتغيرات المؤثرة في توزيع القوة بين الدول والفاعلين في النظام الدولي.

وتكشف المؤشرات الكمية حجم هذا التحول. فقد وصل عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا، وفق أحدث تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات، إلى نحو 6 مليارات شخص في عام 2025، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان العالم. كما تمر أكثر من 99 % من تدفقات البيانات الدولية عبر الكابلات البحرية، ضمن شبكة عالمية تضم نحو 500 منظومة كابلات تمتد لأكثر من 1.7 مليون كيلومتر. ولم تعد هذه الشبكات مجرد وسائل للاتصال، بل أصبحت بنية تحتية استراتيجية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي والخدمات المالية والحكومية والعسكرية وتدفقات المعلومات والبيانات.

وتزداد أهمية هذه البنية مع الصعود المتسارع للاقتصاد القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة المعلنة في مراكز البيانات عالميًا 270 مليار دولار، واستحوذت على أكثر من خُمس قيمة مشاريع الاستثمار الجديدة عالميًا. كما ارتفعت الاستثمارات في الكابلات البحرية من نحو 800 مليون دولار عام 2015 إلى 9.7 مليار دولار عام 2025، في مؤشر على تحول البنية التحتية الرقمية نفسها إلى مورد اقتصادي واستراتيجي وجيوسياسي.

بهذا المعنى، فإن تحليل القوة في العلاقات الدولية لم يعد مكتملًا من دون إدخال البعد السيبراني في معادلتها. فالبيانات والقدرة الحاسوبية والشبكات والخوارزميات والمعرفة التكنولوجية أصبحت موارد يمكن من خلالها إنتاج الثروة والنفوذ، ومن ثم تحويلها إلى سلطة وتأثير وقوة.

لكن خصوصية القوة السيبرانية لا تكمن في امتلاك هذه الموارد وحدها؛ فامتلاك دولة ما بنية رقمية متقدمة أو قطاعًا تكنولوجيًا كبيرًا لا يعني بالضرورة أنها تمتلك قوة سيبرانية بالقدر نفسه. وإنما تتحدد القوة بمدى قدرة الدولة على تحويل مواردها السيبرانية إلى نتائج سياسية وأمنية واقتصادية واستراتيجية. وهنا يظهر الفرق بين امتلاك القدرة السيبرانية وبين القدرة على توظيفها باعتبارها عنصرًا من عناصر القوة الوطنية.

ومن هنا تبرز أيضًا إشكالية قياس القوة السيبرانية: كيف يمكن تحديد الدولة الأقوى سيبرانيًا؟ هل من خلال حجم بنيتها التحتية الرقمية؟ أم رأس المال البشري والتكنولوجي؟ أم الاقتصاد الرقمي؟ أم القدرات الدفاعية والهجومية والاستخباراتية؟ أم قدرتها على إنتاج التكنولوجيا والتحكم في البيانات والمنصات؟ الواقع أن القوة السيبرانية مفهوم مركب لا يمكن قياسه بمؤشر منفرد، وإنما من خلال مجموعة من الموارد والقدرات، والأهم قياس قدرة الدولة على توظيفها لتحقيق أهدافها.

ولعل أهم ما يميز الفضاء السيبراني أنه لا يعمل بمعزل عن مجالات القوة الأخرى، بل يتداخل معها ويعيد تشكيل فاعليتها. فالقوة العسكرية أصبحت أكثر اعتمادًا على البيانات والشبكات والبرمجيات، والاقتصاد على البنية الرقمية، والاستخبارات على القدرة على جمع البيانات وتحليلها، والتأثير السياسي والإعلامي على المنصات والخوارزميات. ولذلك لا يمثل الفضاء السيبراني مجرد مجال خامس يضاف إلى البر والبحر والجو والفضاء الخارجي، بل أصبح بيئة تتقاطع داخلها مختلف أشكال القوة.

وعليه، فإن التحول الأهم الذي أحدثه الفضاء السيبراني لا يتمثل فقط في ظهور شكل جديد من أشكال القوة، وإنما في إعادة تشكيل مفهوم القوة ذاته ومصادرها وطرق إنتاجها وممارستها وقياسها. بمعنى إلى أي مدى تستطيع الدول تحويل القدرات السيبرانية إلى قوة وطنية شاملة ونفوذ استراتيجي في النظام الدولي؟


مواضيع قد تهمك