اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د منصور إبراهيم السعايدة : وجهة نظر في نظام مزاولة مهنة المحاسبة القانونية رقم 56 لعام 2026

د منصور إبراهيم السعايدة
أخبارنا :  

للاسف كرس هذا النظام خطأّ جسيما مزمنا في تنظيم مهنة المحاسبة في الاردن، الا وهو دمج مهنتي المحاسبة والتدقيق تحت مسمى واحد مضّلل (المحاسبة القانونية)، وهو مسمى ليس له وجود سوى في الاردن مما يوهم القارئ أن كلا المهنتين منظم بشكل فعال وصحيح والواقع ان التنظيم ما زال منقوص وغير متوازن من أساسه، وأساسه هو قانون تنظيم مهنة المحاسبة القانونية رقم 73 لعام 2003 والذي ما زال مؤقتا لم يستطع مجلس النواب السابق تعديله لوجود خلافات جوهرية بين الأطراف المتأثرة به، من محاسبين ومدققين و اساتذة جامعات تخصص محاسبة.


وللتوضيح فقد ارسلت الحكومة السابقة القانون المذكور اواخرعام 2022 بصفة الاستعجال الى المجلس السابق لتعديله واقراره حيث نوقش مطولا في اللجنة القانونية اولا ثم في اللجنة المشتركة (القانونية والاقتصاد والاستثمار) بحضور جميع الاطراف ذات الصلة، وتمت بعض إجتماعات اللجان بمشاركة سعادة رئيس المجلس السابق ونائبة الدكتور احمد الخوالده ومعالي وزير الصناعة والتجارة رئيس مجلس المهنة آنذاك في الاجتماع الاخير حيث تم التوصل لصيغة تعديل للقانون المؤقت منصفة ومقبولة لدى جميع الاطراف جرى فيها لاول مرة توصيف وبيان لحدود مهنتي المحاسبة وتدقيق الحسابات وكيفية التكامل بينهما وذلك بانشاء جمعية لكل مهنة ومركز تدريب متقدم مشترك وهيئة مهنة متخصصة تحت مظلة قانون واحد وذلك بسبب الارتباط الوثيق والتكامل اللازم والضروري بين المهنتين، وبالتالي تم - لأول مرة- التمييز بين عمل المحاسب، الذي يتنوع حسب طبيعة المنشأة التي يعمل بها (من محاسبة مالية الى ضريبية الى تكالبف ...الخ) وعمل المدقق الذي يبداء بعد ان ينهي المحاسب عمله بإعداد القوائم المالية للمنشأة ليقوم المدقق- كجهة مستقلة محايده- باختبار مدى تمثيل تلك القوائم بعدالة لنتائج الاعمال والمركز المالي للمنشأة ومدى خلوها من الأخطاء الجوهرية، ومن هنا فإن العلاقة الصحيحة والصحية بين المحاسب والمدقق يجب ان تكون كتلك التي بين المحامي والقاضي كل واحد منهما يعرف طبيعة عمل الآخر ولكنه يقف عند حدوده ولا يتجاوزها وهذا الوضع للأسف ليس متحقق في حالة مهنة المحاسبة بموجب قانون المهنة الحالي وكل التعليمات الصادره على اساسه كما سأبين هنا وسبق أن بينت بمقالات عديدة جدا لم يستطع أحد أن يفندها ولكن من دون جدوى.


وعودة على جهود مجلس النواب السابق فلدى الشروع بطرح تعديلات اللجنة المشتركة للقانون الموافق عليها من كل الاطراف على جلسة المجلس في شباط 2023 على ما اظن سارع بعض رجال القانون في المجلس لرفض التعديلات بحجة انها تنظم مهنتين في قانون واحد، دون ان يتنبهوا الى ان هذا هو واقع الحال في قانون المهنة الحالي المؤقت رقم 73 لسنة 2003 وكافة التعليمات الصادره بموجبه، حيث تتمثل مشكلته الاساسية واعتراض المحاسبين عليه -دون المدققين- في ان التعريفات الوادة في مقدمته تدل على انه ينظم مهنتي المحاسبة وتدقيق الحسابات، إلا ان كل بنوده وكافة التعليمات التي صدرت بموجبه وآخرها ما صدر قبل عدة أيام يذكر مهنة المحاسبة في التعريفات فقط ويتجاهلها تماما في كافة بنوده لا بل ويجير الكثير من اعمال المحاسبة البحتة لصالح مهنة التدقيق، مما يولد احتكارا لبضع مئات من المهنيين على حساب المهنة ككل، ولذلك وبعد جهد جهيد ادركته لجان المجلس السابق وتفهمت معضلة القانون نسبت بتعديلات مناسبة عليه بعلم ومباركة جميع الاطراف ذات الصلة الى ان حصلت المفاجاة بالاعتراض عند مستهل طرح هذه التعديلات على المجلس السابق بحجة انه ينظم مهنتين بقانون واحد دون إعطاء الفرصة لتوضيح الأمر وتبرير هذه التعديلات،


وللتوضيح اكثرعندما تم التواصل مع احد النواب القانونيين المعترضين في حينه للتوضيح اعتذر عن موقفه لعدم وضوح ماهية القانون وحدود المهنتين ومدى التكامل بينهما (وهي للأسف مشكلة كانت وستبقى قائمة عند غير المتخصصين) وعلى ضوء ذلك ارجىء النظر في القانون وبقي مؤقتا الى ان فوجئنا باقرار مجلس الوزارء الموقر التعلميات الاخيرة التي تكرس مشكلة تنظيم المهنة والاجحاف بحق المحاسبيبن دون وجه حق اذ لا تتبع اي دولة في العالم هكذا تنظيم مبهم وغير متوازن لانه يسمح لفرع مهنة واحد (التدقيق) بالتغول على الفرع الاخر (المهنة الأم المحاسبة) مما سيقود حاما للاحتكار، ولبيان ذلك دعونا ننظر الى بعض بنود هذه التعليمات الاخيرة للتحقق مما أشير اليه:


1- تعرف المادة 2 من التعليمات المهنة على انها "المحاسبة القانونية بفرعيها المحاسبة والتدقيق" وهذا التعريف ماخوذ حرفيا من قانون المهنة المؤقت الذي طلبت الحكومة السابقة من المجلس السابق مناقشته وتعديله كونه يخلو تماما من اي تنظيم لفرع المحاسبة )، وبقي مؤقتا ولم يعدل بعد.


2-تتيح المادة 3 أ بندي 1و2 للمحاسب القانوني (والمقصودة هنا المدقق فقط) ان يزاول اعمال التدقيق او اعمال المحاسبة حسب رغبته وفي هذا تضارب للمصالح ومبالغة مفرطة بدور المدقق وتهميش لدور المحاسب.


3-بموجب المادة 3 -ج يمنح المحاسب القانوني شهادة تحدد مجال العمل الذي يرغب به (محاسبة او تدقيق) وهذا يؤكد ما جاء بالبند السابق على ان القانون وكافة التعليمات الصادره بموجبه تشرع لمهني واحد – المدقق- للعمل في المهنتين وتتجاهل تنظيم وحقوق المهني الاخر- المحاسب.


4-تجيز المادة 6 للمحاسب القانوني (اي المدقق) إضافة لأعمال التدقيق تقديم الاستشارة والخبرة المهنية في المجالات المحاسبية والمالية والضريبية والاقتصادية وانظمة المعلومات واي خدمات اخرى ذات صلة (وهذا البند الاخير يمثل إضافة مفرطة لمجال عمل المدقق لم تكن موجودة من قبل) والقيام بأعمال التحكيم والتصفية والخبرة والقوامة وإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية والدراسات المالية والاحصائية وجمع المعلومات الاقتصادية لحساب الغير وإعداد الانظمة الداخلية واعمال تقييم الاداء، وعليه يجب أن يطرح السؤال التالي على الجهة المهنية المختصة التي نسبت بهذه التعليمات اوتقف وراءها لبيان أين المحاسبة وأين التدقيق فيها إذا ما تولى المدقق كل هذه الأعمال، وأين الفصل في الواجبات، واين الاستقلالية المهنية المطلوبة للمدقق اذ يبدو اننا أصبحنا نقف أمام تنظيم لمهنة واحدة بمسمى مقنع تأكل فيه الأخضر واليابس، ولا نعرف موقف مجلس المهنة من كل ذلك.


والان لمعالجة هذا التشوه في تنظيم المهنة لابد من العودة لما توصلت اليه اكبر لجنتين في مجلس النواب السابق من عمل واستنتاجات للاستفادة منها بدلا من تجاوزها وكأن شيئا لم يكن والقيام ب:


1-العودة للتسميات المهنية السابقة، محاسب ومدقق، لفصل أعمال المهنتين بوضوح والتخلي عن مصطلح محاسبة قانونية لانه مصطلح مضلل ليس له مثيل خارج الاردن، فجميع اعمال المحاسبة قانونية وأية اعمال محاسبة غير قانونية هي غش وخداع.


2-استعراض تعديلات قانون تنظيم المهنة المؤقت التي أقرتها اللجنة المشتركة (القانونية والاقتصاد والأعمال) في المجلس السابق واعادة النظر بها اذا دعت الحاجة شريطة مشاركة كافة الأطراف من محاسبين ومدققين وأعضاء هيئة تدريس في المحاسبة في الجامعات للخروج بقانون عصري متوازن يخدم المهنتين حقا والاقتصاد الوطني ويؤمن التدريب والتعليم المستمر والتطوير المهني اللازم لأعضاء المهنتين.


3-ضرورة تفعيل دور الهيئة العليا في متابعة شؤون المهنة ككل والتي وجدت لخدمتها ومتابعة تنظيمها وذلك بعقد اللقاءات الدورية والندوات المتخصصة في هذا الشأن وبيان رأيها المهني المختص في كل شؤون المهنة الصغيرة والكبيرة علما لا يوجد نشاط ملحوظ للهيئة غير المصادقة على إجازات مزاولة التدقيق علما بانه مطلوب منها عقد ٤ اجتماعات على الأقل في السنة، آملين أن تبادر الهيئة قريبا لعقد لقاء مهني تحضره جميع الاطراف ذات الصلة لفهم المواقف المتعارضة وتبادل الرأي والمشورة في شأن المهنة ككل ضمن حدود المصلحة العامة للاردن.


أقول هذا اعتمادا على مشاركاتي الفعلية بأعمال اللجان المذكورة أعلاه كأستاذ جامعي في التخصص، ومن غيرتي على عشرات آلاف المحاسبين الذين ليس لهم أي تنظيم مهني جاد يرعى شؤونهم بعد التخرج ويتابع تطورهم وتصنيفهم المهني في حياتهم العملية مما ينعكس سلبا على ادائهم واداء المنشآت التي يعملون بها على عكس كل المهن الاخرى، و اقوله كذلك من باب عدم السكوت عن الحق والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.



مواضيع قد تهمك