د. محمد المعاقبة : بين التجديد والتفكيك: مأزق التعيين من خارج الكوادر
مع كل وجبة إحالات على التقاعد جديدة تعينات، تتجدَّد الوعود ذاتها: "إعادة الهيكلة"، "تطوير الأداء"، "ضخ الدماء الجديدة".
وبعد أيام قليلة تبدأ تظهر على السطح قرارات بإحالة قيادات من الصف الأول على التقاعد المبكر، ومقابلها قرارات بتعيين أمناء عامين جدد من خارج كوادر الوزارات .
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس شخصياً، بل مؤسسياً، هل نحن أمام عملية تجديد حقيقية للإدارة العامة، أم أمام تفكيك تدريجي لذاكرة الدولة ومؤسساتها؟
الأصل وليس الاستثناء
منصب الأمين العام هو رأس الهرم التنفيذي في الوزارة.
وبالتالي فإن ما يحكمه ليس نظام الموارد البشرية وحده، بل نظام التعيين في الوظائف العليا رقم 38 لسنة 2020 وتعديلاته.
النظام وضع قاعدة الأصل هو التعيين من خلال اعلانات تُحقِّق التنافسية والعدالة وغير موجَّهة لأحد، اي بلهجتنا الدراجة غير مفصلة لاح، فالمنصب القيادي العالي ليس مجرد موقع إداري، هو ذاكرة متراكمة للمرفق، وخبرة في إدارة الملفات المعقدة، وفهم دقيق لثقافة الوزارة وتحدياتها.
عندما يتم الاستبدال المفاجئ لقيادة من الداخل بقيادة من الخارج دون مبرر فني مثبت، فإنَّنا نخسر شيئين: الوقت والاستمرارية.
المشاريع التي بدأت منذ سنوات تتوقَّف أو تعاد صياغتها.
الخطط الاستراتيجية تدخل في مرحلة "فهم الواقع" من جديد.
والمواطن في النهاية هو من يدفع كلفة هذا التأخير بسبب هذا النهج الانعكاس الإنساني تراجع الدافعية للموظف العام ويترك أثر عميق يكون داخل الوزارات والمؤسسات العامة.
ماذا تقول الحكومة لموظف أمضى عشرين عاماً في خدمة الوزارة بتقييمات "ممتاز" يجد فجأة أن سقف الترقية قد أُغلق أمامه؟
الرسالة التي تصله واضحة: الخبرة والانتماء الوظيفي لم يعودا معيارين.
النتيجة الطبيعية هي تراجع الدافعية، وضعف الشعور بالانتماء، وبدء هجرة الكفاءات الباحثة عن بيئة تُقدّر الجهد.
وحين تتوقَّف الكفاءات عن السعي، تتوقَّف المؤسسة عن التطور.
التحدي: التوازن بين التجديد والاستقرار
لا أحد يرفض التجديد. ولا أحد يرفض الاستفادة من خبرات وطنية خارج الوزارة عند الضرورة الفنية القصوى.
لكن الخطر يقع عندما نجمع بين أمرين: إحالة واسعة للكفاءات من الداخل، وتعيين واسع من الخارج، ودون الالتزام بمخرجات لجنة التحديث الاداري لا بل أننا نجد نهجا جديدا هو غياب التنافسية في التعيين بالوظائف العليا.
هنا تتحوَّل الوزارة من مؤسسة ذات تراكم معرفي واستقرار إداري، إلى هيكل يتغير مع كل وزير، ويفتقد للبوصلة المؤسية.
الوظيفة العامة أمانة، وليست ملكاً لأحد.
والخبرة الوطنية أولى بالرعاية والاستثمار.
والتجديد الحقيقي هو الذي يبني على الموجود ويطوره، لا الذي يهدمه ثم يبدأ من جديد.
القاعدة التي يجب أن تحكم كل قرار إداري هي: "على الإدارة أن تضع نفسها عند اتخاذ القرار في أحسن الظروف وأنقاها".
فالكفاءة لا تُستبدل، والخبرة لا تُحال بالهوى، والمؤسسية لا تُفكك باسم الإصلاح.