الأخبار

سمير حمدان ــ بوداست : الأردن يدخل أخطر فجوة صامتة .. حين تفقد الدولة والأحزاب والبرلمان صلتها بالمجتمع

سمير حمدان ــ بوداست : الأردن يدخل أخطر فجوة صامتة .. حين تفقد الدولة والأحزاب والبرلمان صلتها بالمجتمع
أخبارنا :  

خطر ما قد تواجهه الدول ليس الانهيار الاقتصادي المفاجئ ولا حتى الأزمات السياسية المتكررة، بل اللحظة التي يبدأ فيها الناس بالشعور أن السياسة تتحرك في عالم منفصل عن حياتهم اليومية، وأن ما يقال تحت قبة البرلمان، وما تعلنه الحكومات، وما تطرحه الأحزاب، لم يعد يلامس الخوف الحقيقي من الغلاء والبطالة وضباب المستقبل، ففي تلك اللحظة لا تتراجع شعبية الحكومات فقط، بل يبدأ التآكل البطيء لفكرة المشاركة نفسها، ويتحول المواطن من شريك في المجال العام إلى متفرج متعب يراقب كل شيء دون اقتناع بأن صوته قادر على تغيير أي شيء .

هذه ليست مجرد أزمة شعبية عابرة أو ضعف مؤقت في الحياة الحزبية، بل فجوة صامتة تتسع تدريجيًا بين الدولة والأحزاب والبرلمان من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، وهي فجوة لا تظهر دائمًا في الخطابات الرسمية لكنها تنعكس بوضوح في البرود الشعبي تجاه السياسة، وفي تراجع الحماس للمشاركة، وفي شعور متزايد بأن المجال السياسي لم يعد قادرًا على إنتاج نتائج ملموسة في حياة الناس.

خلال السنوات الأخيرة دفعت الدولة الأردنية نحو مشروع تحديث سياسي يقوم على توسيع الحياة الحزبية وتعزيز دور البرلمان في تشكيل الحكومات القادمة، في محاولة لبناء نموذج أكثر استقرارًا وتنظيمًا للحياة العامة، لكن المشكلة أن الثقة لا تبنى عبر التشريعات وحدها، لأن الثقة ليست نصًا قانونيًا بل شعورًا يتكون حين يقتنع المواطن أن السياسة قادرة فعلًا على تحسين واقعه الاقتصادي والاجتماعي، وهنا تحديدًا تتضح المعضلة، لأن جزءًا واسعًا من الأردنيين لم يعد يقيس جدية الإصلاح بما يقال عنه، بل بما يراه في تفاصيل حياته اليومية .

المفارقة أن كثيرًا من الأحزاب تتحدث فعلًا عن معاناة الناس، وعن البطالة والفقر والضغط الاقتصادي، لكن الأزمة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من المجتمع لم يعد يعتقد أصلًا أن الأحزاب تملك القدرة الحقيقية على تغيير الواقع حتى لو فهمته جيدًا، وهنا تتحول الأزمة من أزمة خطاب سياسي إلى أزمة قدرة وتأثير، لأن المواطن لا يسأل فقط إن كانت الأحزاب تسمعه، بل إن كانت قادرة أصلًا على فعل شيء مختلف.

تقارير ودراسات محلية ودولية عديدة بدأت ترصد هذه الظاهرة بوضوح، فقد أشارت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتعلقة بالشباب والثقة في الأردن إلى تراجع الإيمان بقدرة المؤسسات السياسية على تمثيل الشباب أو إشراكهم فعليًا في صناعة القرار، كما أظهرت دراسات مرتبطة بالحياة الحزبية أن الأحزاب السياسية ما تزال أقل جذبًا من البنى الاجتماعية التقليدية كالعائلة والعشيرة والروابط المحلية، فيما تحدثت أبحاث أخرى عن انتقال جزء كبير من التفاعل السياسي لدى الشباب نحو المساحات الرقمية والاحتجاجات غير المنظمة بدل الانخراط الحزبي التقليدي، وهي مؤشرات لا تتعلق بالأحزاب وحدها، بل بثقة المجتمع بالمجال السياسي كله .

الأخطر أن استمرار هذه الفجوة قد يدفع المجتمع نحو شكل جديد من الانسحاب الصامت، حيث لا يعبر الناس عن غضبهم عبر العمل السياسي المنظم بل عبر اللامبالاة والانكفاء والبحث عن النجاة الفردية، وحين تصبح الهجرة أو العزلة أو الانشغال بالحياة الخاصة أكثر إقناعًا من المشاركة في المجال العام، تكون الدول قد بدأت تخسر طاقتها المعنوية حتى لو حافظت على استقرارها الأمني والمؤسسي .

الاستقرار طويل الأمد لا يبنى فقط على قوة المؤسسات أو صلابة القوانين، بل على شعور الناس بأن هذه المؤسسات تفهمهم وتمثلهم وتملك قدرة حقيقية على تحسين المستقبل، فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الأمن والاقتصاد، بل بقدرتها على الحفاظ على الرابط النفسي بينها وبين المجتمع، لأن هذا الرابط هو ما يمنح أي نظام سياسي شرعيته العميقة على المدى الطويل .

ومن هنا لا يبدأ الحل بإنتاج أحزاب أكثر عددًا، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والمجتمع، عبر أحزاب تخرج من الجامعات والنقابات والبلديات والأحياء لا من الدوائر المغلقة فقط، وربط الإصلاح السياسي مباشرة بأسئلة العمل والسكن والتعليم والدخل، وإقناع الناس بأن السياسة ليست مجرد خطاب عن الأزمات، بل أداة حقيقية لتغييرها، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس وجود معارضة قوية أو تراجع تيار سياسي بعينه، بل اللحظة التي يتوقف فيها الناس عن الإيمان بأن السياسة نفسها قادرة على إنتاج مستقبل أفضل، فعندها لا تبدأ أزمة أحزاب أو برلمانات فقط، بل تبدأ أزمة ثقة طويلة يصعب ترميمها بين الدولة والمجتمع .

مواضيع قد تهمك