موفق ملكاوي : فعل القراءة: حين يصبح النص لغزا
في معناها الأولي، تبدو القراءة فعلا بسيطا يطلب الاستزادة من المعرفة أو المتعة، ما يشي وفق هذا التصور، أنها فعل شفاف يؤسس لعلاقة مباشرة بين القارئ والنص، لا تشتمل على أي تعقيد أو التباس.
لكن هذا نوع واحد من القراءة، والتي يمكن أن نجدها في كتب عديدة تستعرض
الأفكار والموضوعات وتناقشها، وقد تأخذ منها مسافة قرب أو بعد بالقبول
والرفض. يمكن التدليل على ذلك بالعديد من الكتب مثل «الفرق بين الفرق»، حيث
يستعرض الحافظ البغدادي الفرق في الحضارة الإسلامية، محددا مقولاتها
العقدية، أو «أسرار الطريق الصوفي»، للدكتور محمد أبو رمان، الذي يقرأ
التجربة الصوفية بوصفها مسارا معرفيا وروحيا، يحاول أن يفسر منطقها
الداخلي. كذلك «الديمقراطية المقيدة»، حيث يعالج الدكتور علي محافظة
إشكالية التحول الديمقراطي في السياق العربي، والقيود البنيوية والسياسية
التي تجعل الديمقراطية ممكنة شكلا، ومؤجلة مضمونا. وأيضا «نقد العقل
العربي»، بانخراط محمد عابد الجابري في مشروع تفكيك طويل لبنية التفكير
العربي، باحثا في أصوله المعرفية، وأنساقه الخفية، وحدوده التي تعيق إنتاج
معرفة حديثة، أو «اعترافات قاتل اقتصادي» لجون بيركنز حيث ينكشف عالم من
العلاقات الدولية غير المرئية، فتتحول الأدوات الاقتصادية إلى وسائل
للهيمنة، وتصبح التنمية قناعا لإعادة إنتاج التبعية.
في هذه الكتب، نحن أمام نص يعلن مقاصده بوضوح، ويتحدد بالتصنيف والتحليل،
ثم الحكم. هذه الكتب، على اختلافها، تقول ما تريده مباشرة، ولا تتعمد إخفاء
مقاصدها، لذلك تبدو القراءة فيها فعلا سهلا يتطلب الفهم، ثم تبني الموقف.
لكن الصعوبة تبدأ حين ننتقل إلى الأدب بكل ضبابيته وإيهاماته والتباساته،
فما الذي أراد قوله إرنست همنغواي في «وداعا للسلاح»، هل هي قصة حب في زمن
الحرب، أم تفكيك لفكرة البطولة، أم إعلان صامت عن عبثية المعنى. وهل «موسم
الهجرة إلى الشمال»، للطيب صالح نص عن صراع حضاري، أم عن اغتراب الذات، أم
عن عنف المعرفة حين تتحول إلى أداة سيطرة. و»قلب الظلام» لجوزف كونراد، هل
هي رحلة في إفريقيا، أم انكشاف تدريجي لظلام الإنسان نفسه حين يسقط عنه
قناع الحضارة. وفي «الطريق» لكورماك مكارثي، أهي الوقوف أمام نهاية العالم،
أم أمام اختبار أخلاقي أخير.
هذه النصوص تقترح المعنى بالتلميح، وتضعه في طبقات، ثم تتركك وحيدا في
مواجهته، لتتحول القراءة من التلقي البسيط نحو التفكيك المعقد. ففي الوقت
الذي تحتاج الكتب الفكرية إلى قراءة ناقدة تقوم على التثبت والمعالجة
والاستنتاج، فإن الأدب يحتاج إلى نوع مختلف من القراءة يتعامل مع النص
بوصفه شبكة من الإشارات المتداخلة، ويتوجب عليك إيجاد المعنى بالنبش في ما
وراء الجمل الظاهرة، لتتدخل الثقافة بوصفها أداة قراءة تمنحك القدرة على
الربط والإحالة، فالنص الأدبي لا يعيش وحده، وإنما داخل تاريخ من النصوص
تحتاج إلى التحليل لاستخراج ما لم يقل.
القارئ العادي يتتبع الحكاية لمعرفة كيف انتهت القصة، أما القارئ الناقد
فإنه يتوقف عند ما لم يقل، ويسأل عن اختيارات الكاتب للسياق والشخصيات
والزمان والمكان والنهاية، وعما يخفيه هذا الوضوح الظاهري.
يمتلك الأدب قدرة هائلة على تعتيم المشهد، وسلوك طرق شديدة الغموض من أجل
توسيع معنى المشهد، فالوضوح الكامل يميت النص، لذلك يترك هؤلاء الكتاب
فراغات لكي يملأها القارئ نفسه بوصفه جزءا من عملية الكتابة.
قراءة الأدب، بهذا المعنى، هي توازن دقيق بين المتعة الخالصة والقلق، فنحن
نستمتع بالحكاية، لكننا نقلق من معناها، وكذلك ننجذب إلى الشخصيات، لكننا
نشك في دوافعها. الكتابة الأدبية تقترح عالما كاملا بقوانين وشخصيات
وعلاقات وصراعات واحتمالات، والقارئ الحقيقي يتابع ما يحدث، ولكنه يسأل عن
سبب حدوثه، وماذا يقول ذلك.
صحيح أن هناك نصوصا سطحية تتدرب بنا أكثر مما نقرأها، فتعطينا حكاية واضحة،
ومعنى مباشرا من دون أن تطلب منا أي نوع من التحليل والتدقيق. لكن، أيضا،
هناك نصوص عظيمة تربكنا، وتفتح أبوابا عديدة للشك والتأويل لكي نستجلي ما
تخفيه. قراءة الأدب، في معناها الأعمق، هي تدريب على الشك والتأويل، وعلى
رؤية ما لا يرى. وربما هذه هي المتعة الخالصة في قراءة الأدب.
ــ الغد