الأخبار

ليث القهيوي : الاستقلال ليس ذكرى.. بل اختبار دولة

ليث القهيوي : الاستقلال ليس ذكرى.. بل اختبار دولة
أخبارنا :  

لم يكن الأردن يومًا دولة قامت على الوفرة، بل على الفكرة.
ففي منطقة تغيرت خرائطها مرارًا، بقيت الدولة الأردنية قائمة لأنها امتلكت شيئًا أعمق من الجغرافيا: هوية وطنية متماسكة، وسردية وطن ودولة آمنت أن الاعتدال قوة، وأن التوازن ليس ضعفًا، وأن الإنسان الأردني هو المورد الأكثر قيمة في معادلة البقاء والاستمرار.

لهذا، فإن الاستقلال اليوم لا يمكن اختزاله في مناسبة وطنية أو ذاكرة تاريخية فقط، بل يجب أن يُقرأ باعتباره اختبارًا متجددًا لقدرة الدولة على حماية فكرتها الأساسية: دولة قادرة على الصمود، والتكيف، وإنتاج القرار، والحفاظ على ثقة شعبها بنفسه في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
في القرن الحادي والعشرين، لم يعد الاستقلال يُقاس فقط بخروج المستعمر أو رفع العلم، بل بقدرة الدولة على امتلاك قرارها الاقتصادي الحر، وسيادتها الرقمية، وزمنها المؤسسي، وقدرتها على حماية مجتمعها من التآكل البطيء للإحباط وفقدان الثقة. فالحروب لم تعد دائمًا عسكرية، بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد، والبيانات، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والقدرة على التأثير في الوعي والسردية معًا.
وفي خضم هذا التحول العالمي، يواجه الأردن تحديًا مختلفًا: كيف يحافظ على ثوابته الوطنية، دون أن يتأخر عن العالم؟
الأردن صمد أمام عقود طويلة من الأزمات والتحولات الإقليمية، واستوعب ضغوطًا سياسية واقتصادية وإنسانية هائلة، وحافظ رغم ذلك على استقراره ومؤسساته وتماسكه الاجتماعي. ومع إنجاز نحو 81 % من مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي حتى نهاية عام 2025، وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة تجاوزت 27 %، إلى جانب إطلاق المرحلة الثانية من خريطة تحديث القطاع العام وإستراتيجية التحول الرقمي 2026–2028، تبدو الدولة وكأنها تدرك حجم التحول المطلوب.
لكن التحدي الحقيقي لم يعد في إنتاج الخطط… بل في سرعة تحويلها إلى واقع. فهناك فجوة لا يمكن تجاهلها بين الطموح والتنفيذ، وبين الخطاب والنتائج، وبين ما يريده الأردنيون وما يصل إليهم فعليًا على الأرض.
بطالة الشباب ما تزال تقترب من 39 % للفئة العمرية بين 15 و24 عامًا، فيما تتزايد الهجرة الصامتة للكفاءات والعقول، ليس دائمًا بحثًا عن المال فقط، بل بحثًا عن فرصة أوضح، وعدالة أسرع، وأفق أكثر استقرارًا.
وأخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس نقص الإمكانات، بل اعتياد التأخر. فالقطاع العام، الذي شكّل تاريخيًا أحد أعمدة الاستقرار الأردني، يقف اليوم أمام اختبار مختلف. الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد المؤسسات، بل بسرعة الإنجاز، وكفاءة الاستجابة، وقدرة الجهاز الحكومي على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية. وحين يصبح زمن الإجراءات أطول من زمن الفرص، تتحول البيروقراطية من تحدٍّ إداري إلى كلفة وطنية تؤثر على الاستثمار، وثقة المواطن، وصورة الدولة نفسها.
المطلوب اليوم ليس مجرد تحديث إداري شكلي، بل إعادة بناء ثقافة مؤسسية جديدة: ثقافة تؤمن بالمبادرة لا الانتظار، وبالنتائج لا الإجراءات، وبالكفاءة لا التعقيد. لأن الدولة التي تتأخر في اتخاذ القرار، تجد نفسها لاحقًا مضطرة للدفاع عن تأخرها بدل قيادة مستقبلها.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الشباب الأردني. الشباب ليسوا ملفًا اجتماعيًا ولا رقمًا ديمغرافيًا، بل جوهر السردية الأردنية الحديثة. فالأردن، منذ تأسيسه، اعتمد على الإنسان أكثر من اعتماده على الموارد، وعلى التعليم أكثر من الثروة، وعلى الكفاءة أكثر من الإمكانات. ولهذا، فإن معركة الاستقلال القادمة لن تكون فقط معركة اقتصاد أو تكنولوجيا، بل معركة الحفاظ على ثقة الشباب بأن وطنهم ما يزال قادرًا على احتضان أحلامهم.
المشكلة ليست في أن الشباب لا يريدون العمل أو المشاركة، بل في أن كثيرين منهم يشعرون أن الطريق إلى الفرصة ليس متكافئًا دائمًا. وهذا شعور خطير إذا تراكم، لأنه لا يخلق غضبًا مباشرًا فقط، بل يخلق انسحابًا هادئًا من الإيمان بفكرة العدالة نفسها.
الإنصاف لا يعني أن يحصل الجميع على النتيجة ذاتها، بل أن يشعر الجميع أن القواعد عادلة، وأن الكفاءة ما تزال قادرة على فتح الباب دون الحاجة إلى طريق خلفي.
ولهذا، فإن ريادة الأعمال ليست خطابًا تحفيزيًا ولا مشروعًا تجميليًا، بل ضرورة وطنية. الاقتصاد الأردني لا يستطيع الاستمرار بالعقلية التقليدية نفسها، ولا يمكن للدولة وحدها أن تبقى المشغل الأكبر في مجتمع شاب ومتغير. المطلوب بيئة اقتصادية وتشريعية تسمح للشباب بالمغامرة، وتمنحهم فرصة الفشل والتجربة والنمو، بدل أن تعاقبهم منذ الخطوة الأولى.
كما أن الأحزاب السياسية اليوم أمام اختبار لا يقل أهمية عن أي ملف اقتصادي أو إداري. فالحياة الحزبية لا يُفترض أن تكون مجرد مساحة خطابية، بل منصة لإنتاج القيادات والأفكار والبرامج. والرهان الحقيقي ليس على كثرة الأحزاب، بل على قدرتها على تقديم مشروع وطني حديث يفتح المجال أمام الشباب للمشاركة الفعلية، لا الرمزية.
الأردن لا يحتاج إلى نخب تكرر اللغة نفسها، بل إلى نخب تفهم التحولات الجديدة، وتملك شجاعة الاعتراف بالمشكلات قبل أن تتفاقم. وفي لحظة إقليمية وعالمية تُعاد فيها صياغة النفوذ والاقتصاد وموازين القوة، فإن أكبر ما يملكه الأردن ليس فقط موقعه أو استقراره، بل هويته الوطنية المتماسكة، وقدرته التاريخية على البقاء بعقلانية الدولة لا بانفعالات اللحظة.
ولهذا، فإن الاحتفال بعيد الاستقلال لا يجب أن يكون استدعاءً للماضي فقط، بل مراجعة صادقة للمستقبل أيضًا. فالدول لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بسرعة التكيف، وعدالة الفرص، وكفاءة المؤسسات، وقدرتها على إنتاج الأمل الحقيقي لشعوبها.
الاستقلال الحقيقي ليس أن يبقى الوطن قائمًا فقط، بل أن يبقى قادرًا على التقدم دون أن يفقد روحه، وهويته، وثقة أبنائه به. لأن التهديد لا يأتي دائمًا من الخارج، فأحيانا يتم إرهاق الدول بالفجوة الصامتة بين ما تعد به، وما تستطيع إنجازه في الوقت المناسب. ــ الغد

مواضيع قد تهمك